لَوَازِمَ وُجُودِهِ ؛ فَيَكُونُ حَقِيقَةُ قَوْلِهِمْ : مَوْجُودٌ لَيْسَ بِمَوْجُودِ حَقٌّ لَيْسَ بِحَقِّ خَالِقٌ لَيْسَ بِخَالِقِ فَيَنْفُونَ عَنْهُ النَّقِيضَيْنِ : إمَّا تَصْرِيحاً بِنَفْيِهِمَا وَإِمَّا إمْسَاكاً عَنْ الْإِخْبَارِ بِوَاحِدِ مِنْهُمَا .
وَلِهَذَا كَانَ مُحَقِّقُوهُمْ " وَهُمْ الْقَرَامِطَةُ " يَنْفُونَ عَنْهُ النَّقِيضَيْنِ فَلَا يَقُولُونَ : مَوْجُودٌ وَلَا لَا مَوْجُودٌ وَلَا حَيٌّ وَلَا لَا حَيٌّ وَلَا عَالِمٌ وَلَا لَا عَالِمٌ .
قَالُوا : لِأَنَّ وَصْفَهُ بِالْإِثْبَاتِ تَشْبِيهٌ لَهُ بِالْمَوْجُودَاتِ وَوَصْفَهُ بِالنَّفْيِ فِيهِ تَشْبِيهٌ لَهُ بِالْمَعْدُومَاتِ .
فَآلَ بِهِمْ إغْرَاقُهُمْ فِي نَفْيِ التَّشْبِيهِ إلَى أَنْ وَصَفُوهُ بِغَايَةِ التَّعْطِيلِ .
ثُمَّ إنَّهُمْ لَمْ يَخْلُصُوا مِمَّا فَرُّوا مِنْهُ بَلْ يَلْزَمُهُمْ عَلَى قِيَاسِ قَوْلِهِمْ أَنْ يَكُونُوا قَدْ شَبَّهُوهُ بِالْمُمْتَنِعِ الَّذِي هُوَ أَخَسُّ مِن المَوْجُودِ وَالْمَعْدُومِ الْمُمْكِنِ .
فَفَرُّوا فِي زَعْمِهِمْ مِنْ تَشْبِيهِهِ بِالْمَوْجُودَاتِ وَالْمَعْدُومَاتِ وَوَصَفُوهُ بِصِفَاتِ الْمُمْتَنِعَاتِ الَّتِي لَا تَقْبَلُ الْوُجُودَ بِخِلَافِ الْمَعْدُومَاتِ الْمُمْكِنَاتِ .
وَتَشْبِيهُهُ بِالْمُمْتَنِعَاتِ شَرٌّ مِنْ تَشْبِيهِهِ بِالْمَوْجُودَاتِ وَالْمَعْدُومَاتِ الْمُمْكِنَاتِ .
وَمَا فَرَّ مِنْهُ هَؤُلَاءِ الْمَلَاحِدَةُ لَيْسَ بِمَحْذُورِ .
فَإِنَّهُ إذَا سُمِّيَ حَقّاً مَوْجُوداً قَائِماً بِنَفْسِهِ حَيّاً عَلِيماً رَؤُوفاً رَحِيماً وَسُمِّيَ الْمَخْلُوقُ بِذَلِكَ ؛ لَمْ يَلْزَمْ مِنْ ذَلِكَ أَنْ يَكُونَ مُمَاثِلاً لِلْمَخْلُوقِ أَصْلاً .
وَلَوْ كَانَ هَذَا حَقّاً لَكَانَ كُلُّ مَوْجُودٍ مُمَاثِلاً لِكُلِّ مَوْجُودٍ ؛ وَلَكَانَ كُلُّ مَعْدُومٍ مُمَاثِلاً لِكُلِّ مَعْدُومٍ .
وَلَكَانَ كُلُّ مَا يُنْفَى عَنْهُ شَيْءٌ مِن الصِّفَاتِ مُمَاثِلاً لِكُلِّ مَا يُنْفَى عَنْهُ ذَلِكَ الْوَصْفُ .
مجموعة الفتاوى — صفحة 327
مساهمون: ابن تيمية
ص٣٢٧