فِي قَوْلِهِ .
وَالْكَامِنُ فِي الشَّيْءِ لَا يَجِبُ أَنْ يَكُونَ ظَاهِراً فِيهِ وَلَوْ كَانَ الْكُفْرُ ظَاهِراً فِي قَوْلِهِ لَلَزِمَ تَكْفِيرُ الْقَائِلِ .
أَمَّا إذَا كَانَ كَامِناً وَهُوَ خَفِيٌّ لَمْ يَكْفُرْ بِهِ مَنْ لَمْ يَعْلَمْ حَقِيقَةَ مَا تَضَمَّنَهُ مِن الكُفْرِ وَإِنْ كَانَ مُتَضَمِّناً لِلْكُفْرِ وَمُسْتَلْزِماً لَهُ .
وَأَمَّا لَفْظُ " التَّجْسِيمِ " فَهَذَا لَفْظٌ مُجْمَلٌ لَا أَصْلَ لَهُ فِي الشَّرْعِ ؛ فَنَفْيُهُ وَإِثْبَاتُهُ يَفْتَقِرُ إلَى تَفْصِيلٍ وَدَلِيلٍ كَمَا تَقَدَّمَ .
وَأَمَّا إنْ قَالَ الْمُثْبِتُ لِذَلِكَ : الْمُرَادُ بِهِ أَنَّهُ فَوْقَ الْعَالَمِ وَمُبَايِنٌ لَهُ .
قِيلَ لَهُ : هَذَا الْمَعْنَى صَحِيحٌ وَإِنْ قَالَ النَّافِي لِذَلِكَ : الْمُرَادُ أَنَّهُ لَا تَحُوزُهُ الْمَخْلُوقَاتُ وَلَا تُمَاثِلُهُ .
قِيلَ لَهُ : هَذَا الْمَعْنَى صَحِيحٌ .
وَلَا مُنَافَاةَ بَيْنَ قَوْلَيْكُمَا ؛ فَإِنَّهُ فَوْقَ الْعَالَمِ مُبَايِنٌ لَهُ وَالْمَخْلُوقَاتُ لَا تَحْصُرُهُ وَلَا تَحُوزُهُ وَلَا يَفْتَقِرُ إلَى الْعَرْشِ وَلَا غَيْرِهِ ؛ مَعَ أَنَّهُ عَالٍ عَلَيْهَا مُبَايِنٌ لَهَا وَلَيْسَ مُمَاثِلاً لَهَا وَلَا يَجُوزُ عَلَيْهِ مَا يَجُوزُ عَلَيْهَا .
فَهَذِهِ الْمَعَانِي صَحِيحَةٌ مِن النَّافِي وَالْمُثْبِتِ مَقْبُولَةٌ ؛ وَتِلْكَ الْمَعَانِي مِنْهُمَا مَرْدُودَةٌ وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ .
وَلِأَنَّ هَذَا الَّذِي يُجِيبُ بِهِ أَهْلُ الْإِثْبَاتِ لِلدَّهْرِيَّةِ : مِنْ أَنَّهُ سُبْحَانَهُ تَقُومُ بِهِ الْأَفْعَالُ الَّتِي يَشَاؤُهَا وَيَقْدِرُ عَلَيْهَا وَبِذَلِكَ يَخْلُقُ الْمَخْلُوقَاتِ الْمُنْفَصِلَةَ عَنْهُ مُطَابِقٌ لِمَا جَاءَتْ بِهِ الْآثَارُ الْمَأْثُورَةُ عَنْ الرُّسُلِ صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ فَإِنَّ اللَّهَ أَخْبَرَ أَنَّهُ خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ .
وَقَبْلَ : اسْتِوَائِهِ
مجموعة الفتاوى — صفحة 307
مساهمون: ابن تيمية
ص٣٠٧