قَدَّرْنَا مَا لَيْسَ بِجِسْمِ لَمْ يَكُنْ عَالِماً وَلَا جَاهِلاً وَلَا قَادِراً وَلَا عَاجِزاً وَلَا حَيّاً وَلَا مَيِّتاً كَانَ كَلَامُ القرمطي هَذَا بِمَنْزِلَةِ كَلَامِ هَؤُلَاءِ الْجَهْمِيَّة ؛ أَنَّهُ لَا دَاخِلَ الْعَالَمِ وَلَا خَارِجَهُ .
وَقَوْلُ جَهْمٍ وَالْقَرَامِطَةِ مِنْ جِنْسٍ وَاحِدٍ ؛ كَمَا نَقَلَهُ عَنْ الْفَرِيقَيْنِ أَصْحَابُ الْمَقَالَاتِ وَقَالُوا : إنَّهُ لَا يُقَالُ : هُوَ شَيْءٌ وَلَا لَيْسَ بِشَيْءِ .
فَمَنْ نَفَى عَنْهُ هَذِهِ الْمُتَقَابِلَاتِ الَّتِي لَا بُدَّ لِلْمَوْجُودِ مِنْ أَحَدِهِمَا لِمَنْ يُمْكِنُهُ قَطْعُ الْقَرَامِطَةِ ؛ وَلِهَذَا كَانَتْ مُنَاظَرَةُ هَؤُلَاءِ لِلْقَرَامِطَةِ مُنَاظَرَةً ضَعِيفَةً كَمَا هُوَ مَبْسُوطٌ فِي مَوْضِعِهِ .
( الْجَوَابُ الثَّانِي : قَوْلُ مَنْ يَقُولُ ؛ بَلْ أَقُولُ : إنَّهُ لَيْسَ بِمُتَحَيِّزِ وَلَا فِي جِهَةٍ وَأَقُولُ مَعَ ذَلِكَ : إنَّهُ مُبَايِنٌ لِلْعَالَمِ .
وَهَذَا قَوْل مَنْ يَقُولُ : إنَّهُ فَوْقَ الْعَالَمِ وَلَيْسَ بِجِسْمِ وَلَا جَوْهَرٍ وَلَا مُتَحَيِّزٍ ؛ كَمَا يَقُولُ ذَلِكَ مَنْ يَقُولُهُ مَنْ الْكُلَّابِيَة وَالْأَشْعَرِيَّةِ ، والكَرَّامِيَة وَمَنْ وَافَقَهُمْ مِن الفُقَهَاءِ أَتْبَاعِ الْأَئِمَّةِ الْأَرْبَعَةِ وَأَهْلِ الْحَدِيثِ وَالصُّوفِيَّةِ .
فَإِذَا قِيلَ لِهَؤُلَاءِ : إثْبَاتُ مُبَايِنٍ لَيْسَ بِمُتَحَيِّزِ مُخَالِفٌ لِضَرُورَةِ الْعَقْلِ قَالُوا : إثْبَاتُ مَوْجُودٍ لَا محايث وَلَا مُبَايِنٍ أَظْهَرُ فَسَاداً فِي ضَرُورَةِ الْعَقْلِ مِنْ هَذَا ؛ فَإِنْ كَانَ قَضَاءُ الْعَقْلِ مَقْبُولاً كَانَ قَوْلُكُمْ فَاسِداً وَحِينَئِذٍ حَصَلَ الْمَطْلُوبُ مِنْ كَوْنِهِ مُبَايِناً لِلْعَالَمِ .
وَإِنْ كَانَ قَضَاءُ الْعَقْلِ مَرْدُوداً بَطَلَتْ حُجَّتُكُمْ عَلَى إبْطَالِ قَوْلِنَا : إنَّهُ فَوْقَ الْعَالَمِ مُبَايِنٌ لَهُ وَلَيْسَ بِجِسْمِ وَلَا جَوْهَرٍ وَإِذَا لَمْ يَكُنْ ثَمَّ حُجَّةٌ عَلَى بُطْلَانِ
مجموعة الفتاوى — صفحة 303
مساهمون: ابن تيمية
ص٣٠٣