وَمِن النَّاسِ مَنْ غَلِطَ فَظَنَّ أَنَّ قُرْبَهُ مَنْ جِنْسِ حَرَكَةِ بَدَنِ الْإِنْسَانِ إذَا مَالَ إلَى جِهَةٍ انْصَرَفَ عَنْ الْأُخْرَى وَهُوَ يَجِدُ عَمَلَ رُوحِهِ يُخَالِفُ عَمَلَ بَدَنِهِ فَيَجِدُ نَفْسَهُ تَقْرُبُ مِنْ نُفُوسِ كَثِيرٍ مِن النَّاسِ ؛ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَنْصَرِفَ قُرْبُهَا إلَى هَذَا عَنْ قُرْبِهَا إلَى هَذَا .
وَكَذَلِكَ يَجِدُ فِي نَفْسِهِ خُضُوعاً لِبَعْضِ النَّاسِ وَمَحَبَّةً وَيَجِدُ فِيهَا نَأْياً وَبُعْداً عَنْ آخَرِينَ وَارْتِفَاعاً وَإِقْبَالاً عَلَى قَوْمٍ وَإِعْرَاضاً عَنْ قَوْمٍ غَيْرَ مَا هُوَ قَائِمٌ بِالْبَدَنِ .
فَفِي الْجُمْلَةِ : مَا نَطَقَ بِهِ الْكِتَابُ وَالسُّنَّةُ مِنْ قُرْبِ الرَّبِّ مِنْ عَابِدِيهِ وَدَاعِيهِ هُوَ مُقَيَّدٌ مَخْصُوصٌ ؛ لَا مُطْلَقٌ عَامٌّ لِجَمِيعِ الْخَلْقِ فَبَطَلَ قَوْلُ الْحُلُولِيَّةِ كَمَا قَالَ : { وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ } فَهَذَا قُرْبُهُ مِنْ دَاعِيهِ .
وَأَمَّا قُرْبُهُ مِنْ عَابِدِيهِ فَفِي مِثْلِ قَوْلِهِ : { أُولَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ } .
وَقَوْلُهُ : { مَا تَقَرَّبَ إلَيَّ عَبْدِي بِمِثْلِ أَدَاءِ مَا افْتَرَضْته عَلَيْهِ } وَقَالَ : { مَنْ تَقَرَّبَ إلَيَّ شِبْراً تَقَرَّبْت إلَيْهِ ذِرَاعاً } فَهَذَا قُرْبُهُ إلَى عَبْدِهِ وَقُرْبُ عَبْدِهِ إلَيْهِ ؛ وَدُنُوُّهُ عَشِيَّةَ عَرَفَةَ إلَى السَّمَاءِ الدُّنْيَا لَا يَخْرُجُ عَنْ الْقِسْمَيْنِ ؛ فَإِنَّهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : { أَفْضَلُ الدُّعَاءِ دُعَاءُ يَوْمِ عَرَفَةَ } فَدُنُوُّهُ لِدُعَائِهِمْ .
وَأَمَّا نُزُولُهُ إلَى سَمَاءِ الدُّنْيَا كُلَّ لَيْلَةٍ ؛ فَإِنْ كَانَ لِمَنْ يَدْعُوهُ وَيَسْأَلُهُ وَيَسْتَغْفِرُهُ فَإِنَّ ذَلِكَ الْوَقْتَ يَحْصُلُ فِيهِ مَنْ قُرْبِ الرَّبِّ إلَى عَابِدِيهِ مَا لَا يَحْصُلُ فِي غَيْرِهِ
مجموعة الفتاوى — صفحة 247
مساهمون: ابن تيمية
ص٢٤٧