وَهَؤُلَاءِ الْجُهَّالُ يُمَثِّلُونَ فِي ابْتِدَاءِ فَهْمِهِمْ صِفَاتِ الْخَالِقِ بِصِفَاتِ الْمَخْلُوقِ : ثُمَّ يَنْفُونَ ذَلِكَ وَيُعَطِّلُونَهُ فَلَا يَفْهَمُونَ مِنْ ذَلِكَ إلَّا مَا يَخْتَصُّ بِالْمَخْلُوقِ وَيَنْفُونَ مَضْمُونَ ذَلِكَ وَيَكُونُونَ قَدْ جَحَدُوا مَا يَسْتَحِقُّهُ الرَّبُّ مِنْ خَصَائِصِهِ وَصِفَاتِهِ وَأَلْحَدُوا فِي أَسْمَاءِ اللَّهِ وَآيَاتِهِ وَخَرَجُوا عَنْ الْقِيَاسِ الْعَقْلِيِّ وَالنَّصِّ الشَّرْعِيِّ فَلَا يَبْقَى بِأَيْدِيهِمْ لَا مَعْقُولٌ صَرِيحٌ وَلَا مَنْقُولٌ صَحِيحٌ ثُمَّ لَا بُدَّ لَهُمْ مِنْ إثْبَاتِ بَعْضِ مَا يُثْبِتُهُ أَهْلُ الْإِثْبَاتِ مِن الأَسْمَاءِ وَالصِّفَاتِ فَإِذَا أَثْبَتُوا الْبَعْضَ وَنَفَوْا الْبَعْضَ قِيلَ لَهُمْ : مَا الْفَرْقُ بَيْنَ مِمَّا أَثْبَتُّمُوهُ وَنَفَيْتُمُوهُ ؟ وَلِمَ كَانَ هَذَا حَقِيقَةً وَلَمْ يَكُنْ هَذَا حَقِيقَةً ؟ لَمْ يَكُنْ لَهُمْ جَوَابٌ أَصْلاً وَظَهَرَ بِذَلِكَ جَهْلُهُمْ وَضَلَالُهُمْ شَرْعاً وَقَدْراً .
وَقَدْ تَدَبَّرْت كَلَامَ عَامَّةِ مَنْ يَنْفِي شَيْئاً مِمَّا أَثْبَتَهُ الرُّسُلُ مِن الأَسْمَاءِ وَالصِّفَاتِ فَوَجَدْتهمْ كُلَّهُمْ مُتَنَاقِضِينَ ؛ فَإِنَّهُمْ يَحْتَجُّونَ لِمَا نَفَوْهُ بِنَظِيرِ مَا يَحْتَجُّ بِهِ النَّافِي لِمَا أَثْبَتُوهُ ؛ فَيَلْزَمُهُمْ إمَّا إثْبَاتُ الْأَمْرَيْنِ وَإِمَّا نَفْيُهُمَا ؛ فَإِذَا نَفَوْهُمَا فَلَا بُدَّ لَهُمْ أَنْ يَقُولُوا بِالْوَاجِبِ الْوُجُودِ وَعَدَمِهِ جَمِيعاً وَهَذَا نِهَايَةُ هَؤُلَاءِ الْنُّفَاةِ الْمَلَاحِدَةِ الْغُلَاةِ مِن القَرَامِطَةِ وَغُلَاةِ الْمُتَفَلْسِفَةِ ؛ فَإِنَّهُمْ إذَا أَخَذُوا يَنْفُونَ النَّقِيضَيْنِ جَمِيعاً ؛ فَالنَّقِيضَانِ كَمَا أَنَّهُمَا لَا يَجْتَمِعَانِ ؛ فَلَا يَرْتَفِعَانِ .
وَمِنْ جِهَةِ إنَّ مَا يَسْلُبُونَ عَنْهُ النَّقِيضَيْنِ لَا بُدَّ أَنْ يَتَصَوَّرُوهُ وَأَنْ يُعَبِّرُوا عَنْهُ ؛ فَإِنَّ التَّصْدِيقَ مَسْبُوقٌ بِالتَّصَوُّرِ وَمَتَى تَصَوَّرُوهُ وَعَبَّرُوا عَنْهُ كَقَوْلِهِمْ الثَّابِتِ وَالْوَاجِبِ أَوْ أَيُّ شَيْءٍ قَالُوهُ لَزِمَهُمْ فِيهِ مِنْ إثْبَاتِ الْقَدْرِ الْمُشْتَرَكِ نَظِيرُ مَا يَلْزَمُهُمْ فِيمَا نَفَوْهُ
مجموعة الفتاوى — صفحة 209
مساهمون: ابن تيمية
ص٢٠٩