الرَّابِعُ : أَنَّهُ لَوْ لَمْ يَكُنْ مَعْنَى الِاسْتِوَاءِ فِي الْآيَةِ مَعْلُوماً لَمْ يَحْتَجْ أَنْ يَقُولَ : الْكَيْفُ مَجْهُولٌ لِأَنَّ نَفْيَ الْعِلْمِ بِالْكَيْفِ لَا يَنْفِي إلَّا مَا قَدْ عُلِمَ أَصْلُهُ كَمَا نَقُولُ إنَّا نُقِرُّ بِاَللَّهِ وَنُؤْمِنُ بِهِ وَلَا نَعْلَمُ كَيْفَ هُوَ .
الْخَامِسُ : الِاسْتِيلَاءُ سَوَاءٌ كَانَ بِمَعْنَى الْقُدْرَةِ أَوْ الْقَهْرِ أَوْ نَحْوِ ذَلِكَ هُوَ عَامٌّ فِي الْمَخْلُوقَاتِ كَالرُّبُوبِيَّةِ وَالْعَرْشِ وَإِنْ كَانَ أَعْظَمَ الْمَخْلُوقَاتِ وَنِسْبَةُ الرُّبُوبِيَّةِ إلَيْهِ لَا تَنْفِي نِسْبَتَهَا إلَى غَيْرِهِ كَمَا فِي قَوْلِهِ : { قُلْ مَنْ رَبُّ السَّمَاوَاتِ السَّبْعِ وَرَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ } وَكَمَا فِي دُعَاءِ الْكَرْبِ ؛ فَلَوْ كَانَ اسْتَوَى بِمَعْنَى اسْتَوْلَى - كَمَا هُوَ عَامٌّ فِي الْمَوْجُودَاتِ كُلِّهَا - لَجَازَ مَعَ إضَافَتِهِ إلَى الْعَرْشِ أَنْ يُقَالَ : اسْتَوَى عَلَى السَّمَاءِ وَعَلَى الْهَوَى وَالْبِحَارِ وَالْأَرْضِ وَعَلَيْهَا وَدُونَهَا وَنَحْوِهَا ؛ إذْ هُوَ مُسْتَوٍ عَلَى الْعَرْشِ .
فَلَمَّا اتَّفَقَ الْمُسْلِمُونَ عَلَى أَنَّهُ يُقَالُ : اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ وَلَا يُقَالُ : اسْتَوَى عَلَى هَذِهِ الْأَشْيَاءِ مَعَ أَنَّهُ يُقَالُ اسْتَوْلَى عَلَى الْعَرْشِ وَالْأَشْيَاءِ عُلِمَ أَنَّ مَعْنَى اسْتَوَى خَاصٌّ بِالْعَرْشِ لَيْسَ عَامّاً كَعُمُومِ الْأَشْيَاءِ .
السَّادِسُ ؛ أَنَّهُ أَخْبَرَ بِخَلْقِ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ وَأَخْبَرَ أَنَّ عَرْشَهُ كَانَ عَلَى الْمَاءِ قَبْلَ خَلْقِهَا وَثَبَتَ ذَلِكَ فِي صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ عَنْ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ { كَانَ اللَّهُ وَلَا شَيْءَ غَيْرُهُ وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى الْمَاءِ وَكَتَبَ فِي الذِّكْرِ كُلَّ شَيْءٍ ثُمَّ خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضَ } مَعَ أَنَّ الْعَرْشَ كَانَ مَخْلُوقاً قَبْلَ ذَلِكَ فَمَعْلُومٌ أَنَّهُ مَا زَالَ مُسْتَوْلِياً عَلَيْهِ
مجموعة الفتاوى — صفحة 145
مساهمون: ابن تيمية
ص١٤٥