عَنْ الْفَرِيقَيْنِ فَبَيَّنَ اللَّهُ تَعَالَى فِي هَذِهِ : أَنَّ هَؤُلَاءِ الَّذِينَ عَبَدْتُمُوهُمْ مِنْ دُونِي هُمْ عِبَادِي لَنْ يَسْتَنْكِفُوا عَنْ عِبَادَتِي وَأَنَّهُمَا لَوْ اسْتَنْكَفَا عَنْ عِبَادَتِي لَعَذَّبْتهمَا عَذَاباً أَلِيماً وَالْمَسِيحُ هُوَ الظَّاهِرُ وَهُوَ مِنْ نَوْعِ الْبَشَرِ وَهَذَا الْكَلَامُ فِيهِ نَظَرٌ .
وَاَللَّهُ أَعْلَمُ بِحَقِيقَتِهِ .
ثُمَّ نَقُولُ : إنْ كَانَ هَذَا هُوَ الْمُرَادُ فَلَا كَلَامَ وَإِنْ أُرِيدَ أَنَّ الِانْتِقَالَ مِن الأَدْنَى إلَى الْأَعْلَى : فَاعْلَمْ - نَوَّرَ اللَّهُ قَلْبَك وَشَرَحَ صَدْرَك لِلْإِسْلَامِ - أَنَّ لِلْمَلَائِكَةِ خَصَائِصَ لَيْسَتْ لِلْبَشَرِ ؛ لَا سِيَّمَا فِي الدُّنْيَا .
هَذَا مَا لَا يَسْتَرِيبُ فِيهِ لَبِيبٌ أَنَّهُمْ الْيَوْمَ عَلَى مَكَانٍ وَأَقْرَبُ إلَى اللَّهِ وَأَظْهَرُ جُسُوماً وَأَعْظَمُ خُلُقاً وَأَجْمَلُ صُوَراً وَأَطْوَلُ أَعْمَاراً وَأَيْمَنُ آثَاراً إلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِن الخِصَالِ الْحَمِيدَةِ مِمَّا نَعْلَمُهُ وَمِمَّا لَا نَعْلَمُهُ .
وَلِلْبَشَرِ أَيْضاً خَصَائِصُ وَمَزَايَا ؛ لَكِنَّ الْكَلَامَ فِي مَجْمُوعِ كُلِّ وَاحِدَةٍ مِن المَزِيَّتَيْنِ أَيُّهُمَا أَفْضَلُ : هَذَا طَرِيقٌ مُمَهِّدٌ لِهَذِهِ الْآيَةِ وَمَا بَعْدَهَا .
وَهُوَ وَرَاءَ ذَلِكَ ؛ فَحَيْثُ جَرَى مَا يُوجِبُ تَفْضِيلَ الْمَلَكِ فَلَمَّا تَمَيَّزُوا بِهِ وَاخْتَصُّوا بِهِ مِن الأُمُورِ الَّتِي لَا تَنْبَغِي لِمَنْ دُونَهُمْ فِيهَا أَنْ يَتَفَضَّلَ عَلَيْهِمْ فِيمَا هُوَ مِنْ أَسْبَابِهَا .
وَذَلِكَ أَنَّ الْمَسِيحَ لَوْ فُرِضَ اسْتِنْكَافُهُ عَنْ عِبَادَةِ اللَّهِ : فَإِنَّمَا هُوَ لِمَا أَيَّدَهُ اللَّهُ مِن الآيَاتِ كَمَا أَبْرَأَ الْأَكْمَهَ وَالْأَبْرَصَ وَأَحْيَا الْمَوْتَى وَغَيْرَ ذَلِكَ ؛ وَلِأَنَّهُ خَرَجَ فِي خَلْقِهِ عَنْ بَنِي آدَمَ وَفِي عُزُوفِهِ عَنْ الدُّنْيَا وَمَا فِيهَا : أُعْطِيَ الزُّهْدَ ؛ وَمَا مِنْ صِفَةٍ مِنْ هَذِهِ الصِّفَاتِ إلَّا وَالْمَلَائِكَةُ أَظْهَرُ مِنْهُ فِيهَا فَإِنَّهُمْ كُلُّهُمْ خُلِقُوا مِنْ
مجموعة الفتاوى — صفحة 381
مساهمون: ابن تيمية
ص٣٨١