نَهَجْنَا بِهِ السَّبِيلَ وَفَتَحْنَا بِهِ الْبَابَ إلَى دَرْكِ فَضَائِلِ الصَّالِحِينَ مَنْ تَدَبَّرَ ذَلِكَ وَأُوتِيَ مِنْهُ حَظّاً رَأَى وَرَاءَ ذَلِكَ مَا لَا يُحْصِيه إلَّا اللَّهُ وَإِنَّمَا عَدَلَ عَنْ ذَلِكَ قَوْمٌ لَمْ يَكُنْ لَهُمْ مِن القَوْلِ وَالْعِلْمِ إلَّا ظَاهِرُهُ وَلَا مِن الحَقَائِقِ إلَّا رُسُومَهَا ؛ فَوَقَعُوا فِي بِدَعٍ وَشُبُهَاتٍ وَتَاهُوا فِي مَوَاقِفَ وَمَجَازَاتٍ وَهَا نَحْنُ نَذْكُرُ مَا احْتَجُّوا بِهِ .
( الْحُجَّةُ الْأُولَى : قَوْله تَعَالَى { لَنْ يَسْتَنْكِفَ الْمَسِيحُ أَنْ يَكُونَ عَبْداً لِلَّهِ وَلَا الْمَلَائِكَةُ الْمُقَرَّبُونَ } وَاَلَّذِي يُرِيدُ إثْبَاتَ ذُلِّ الْأَعَاظِمِ وَانْقِيَادِ الْأَكَابِرِ : إنَّمَا يَبْدَأُ بِالْأَدْنَى فَالْأَدْنَى مُتَرَقِّياً إلَى الْأَعْلَى فَالْأَعْلَى لِيَرْقَى الْمُخَاطَبُ فِي فَهْمِ عَظَمَةِ مَنْ اُنْقِيدَ لَهُ وَأُطِيعَ دَرَجَةً دَرَجَةً ؛ وَإِلَّا فَلَوْ فُوجِئَ بِانْقِيَادِ الْأَعْظَمِ ابْتِدَاءً : لَمَا حَصَلَ تَبَيُّنُ مَرَاتِبِ الْعَظَمَةِ ؛ وَلَوْ وَقَعَ ذِكْرُ الْأَدْنَى بَعْدَ ذَلِكَ ضَائِعاً ؛ بَلْ يَكُونُ رُجُوعاً وَنَقْصاً .
وَلِهَذَا جَرَتْ فِطْرَةُ الْخَلْقِ أَنْ يُقَالَ : فُلَانٌ لَا يَأْتِينِي وَفُلَانٌ يَأْتِينِي أَيْ كَيْفَ يَسْتَنْكِفُ عَنْ الْإِتْيَانِ إلَيَّ ؟ وَفُلَانٌ أَكْرَمُ مِنْهُ وَأَعْظَمُ وَهُوَ يَأْتِينِي وَلَا يُقَالُ لَا يَأْبَى فُلَانٌ أَنْ يُكْرِمَك وَلَا مَنْ هُوَ فَوْقَهُ .
فَالِانْتِقَالُ مِن المَسِيحِ إلَى الْمَلَائِكَةِ دَلِيلٌ عَلَى فَضْلِهِمْ ؛ كَيْفَ وَقَدْ نُعِتُوا بِالْقُرْبِ الَّذِي هُوَ عَيْنُ الْفَضَائِلِ وَ " الْجَوَابُ " : زَعَمَ الْقَاضِي أَنَّ هَذَا لَيْسَ مِنْ عَطْفِ الْأَعْلَى عَلَى الْأَدْنَى ؛ وَإِنَّمَا هُوَ عَطْفٌ سَاذَجٌ .
قَالَ : وَذَلِكَ أَنَّ قَوْماً عَبَدُوا الْمَسِيحَ وَزَعَمُوا أَنَّهُ ابْنُ اللَّهِ سُبْحَانَهُ وَقَوْماً عَبَدُوا الْمَلَائِكَةَ وَزَعَمُوا أَنَّهَا بَنَاتُ اللَّهِ كَمَا حَكَى اللَّهُ تَعَالَى
مجموعة الفتاوى — صفحة 380
مساهمون: ابن تيمية
ص٣٨٠