مِنْهُمْ فِي ذَلِكَ إنَّمَا ظَهَرَ الْخِلَافُ بَعْدَ تَشَتُّتِ الْأَهْوَاءِ بِأَهْلِهَا وَتَفَرُّقِ الْآرَاءِ فَقَدْ كَانَ ذَلِكَ كَالْمُسْتَقِرِّ عِنْدَهُمْ .
الدَّلِيلُ الْحَادِي عَشَرَ : أَحَادِيثُ الْمُبَاهَاةِ مِثْلُ : { إنَّ اللَّهَ تَعَالَى يَنْزِلُ كُلَّ لَيْلَةٍ إلَى سَمَاءِ الدُّنْيَا وَعَشِيَّةَ عَرَفَةَ فَيُبَاهِي مَلَائِكَتَهُ بِالْحَاجِّ وَكَذَلِكَ يُبَاهِي بِهِمْ الْمُصَلِّينَ يَقُولُ : اُنْظُرُوا إلَى عِبَادِي قَدْ قَضَوْا فَرِيضَةً وَهُمْ يَنْتَظِرُونَ أُخْرَى } وَكِلَا الْحَدِيثَيْنِ فِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ .
وَالْمُبَاهَاةُ لَا تَكُونُ إلَّا بِالْأَفَاضِلِ .
فَإِنْ قِيلَ هَذِهِ الْأَخْبَارُ رَوَاهَا آحَادٌ غَيْرُ مَشْهُورِينَ وَلَا هِيَ بِتِلْكَ الشُّهْرَةِ فَلَا تُوجِبُ عِلْماً وَالْمَسْأَلَةُ عِلْمِيَّةٌ .
قُلْنَا : " أَوَّلاً " مَنْ قَالَ إنَّ الْمُطْلَقَ فِي هَذِهِ الْقَضِيَّةِ الْيَقِينُ الَّذِي لَا يُمْكِنُ نَقِيضُهُ ؟ بَلْ يَكْفِي فِيهَا الظَّنُّ الْغَالِبُ وَهُوَ حَاصِلٌ .
ثُمَّ مَا الْمُرَادُ بِقَوْلِهِ : عِلْمِيَّةٌ ؟ أَتُرِيدُ أَنَّهُ لَا عِلْمَ ؟ فَهَذَا مُسْلِمٌ .
وَلَكِنْ كُلُّ عَقْلٍ رَاجِحٌ يَسْتَنِدُ إلَى دَلِيلٍ فَإِنَّهُ عِلْمٌ وَإِنْ كَانَ فِرْقَةٌ مِن النَّاسِ لَا يُسَمَّوْنَ عِلْماً إلَّا مَا كَانَ يَقِيناً لَا يَقْبَلُ الِانْتِقَاضَ وَقَدْ قَالَ تَعَالَى : { فَإِنْ عَلِمْتُمُوهُنَّ مُؤْمِنَاتٍ } وَقَدْ اسْتَوْفَى الْقَوْلَ فِي ذَلِكَ فِي غَيْرِ هَذَا الْمَوْضِعِ فَإِنْ أُرِيدَ عِلْمِيَّةٌ : لِأَنَّ الْمَطْلُوبَ الِاسْتِيقَانُ ؛ فَهَذَا لَغْوٌ مِن القَوْلِ لَا دَلِيلَ عَلَيْهِ وَلَوْ كَانَ حَقّاً لَوَجَبَ الْإِمْسَاكُ عَنْ الْكَلَامِ فِي كُلِّ أَمْرٍ غَيْرِ عِلْمِيٍّ إلَّا بِالْيَقِينِ وَهُوَ تَهَافُتٌ بَيِّنٌ .
ثُمَّ نَقُولُ : هِيَ بِمَجْمُوعِهَا وَانْضِمَامِ بَعْضِهَا إلَى بَعْضٍ وَمَجِيئِهَا مِنْ
مجموعة الفتاوى — صفحة 370
مساهمون: ابن تيمية
ص٣٧٠