بِالْكَذِبِ وَالْبُهْتَانِ وَهَذَا الْقَوْلُ وَنَحْوُهُ لَيْسَ مِنْ أَقْوَالِ الْمُسْلِمِينَ وَالْيَهُودِ وَالنَّصَارَى ؛ وَإِنَّمَا هُوَ مِنْ أَقْوَالِ الْمَلَاحِدَةِ الْمُتَفَلْسِفَةِ الَّذِينَ يَجْعَلُونَ " الْمَلَائِكَةَ " قُوَى النَّفْسِ الصَّالِحَةِ " وَالشَّيَاطِينَ " قُوَى النَّفْسِ الْخَبِيثَةِ وَيَجْعَلُونَ سُجُودَ الْمَلَائِكَةِ طَاعَةَ الْقُوَى لِلْعَقْلِ وَامْتِنَاعَ الشَّيَاطِينِ عِصْيَانَ الْقُوَى الْخَبِيثَةِ لِلْعَقْلِ ؛ وَنَحْوَ ذَلِكَ مِن المَقَالَاتِ الَّتِي يَقُولُهَا أَصْحَابُ " رَسَائِلِ إخْوَانِ الصَّفَا " وَأَمْثَالُهُمْ مِن القَرَامِطَةِ الْبَاطِنِيَّةِ وَمَنْ سَلَكَ سَبِيلَهُمْ مِنْ ضُلَّالِ الْمُتَكَلِّمَةِ وَالْمُتَعَبِّدَةِ .
وَقَدْ يُوجَدُ نَحْوُ هَذِهِ الْأَقْوَالِ فِي أَقْوَالِ الْمُفَسِّرِينَ الَّتِي لَا إسْنَادَ لَهَا يُعْتَمَدُ عَلَيْهِ .
وَمَذْهَبُ الْمُسْلِمِينَ وَالْيَهُودِ وَالنَّصَارَى : مَا أَخْبَرَ اللَّهُ بِهِ فِي الْقُرْآنِ وَلَمْ يَكُنْ فِي الْمَأْمُورَيْنِ بِالسُّجُودِ أَحَدٌ مِن الشَّيَاطِينِ ؛ لَكِنْ أَبُوهُمْ إبْلِيسُ هُوَ كَانَ مَأْمُوراً فَامْتَنَعَ وَعَصَى وَجَعَلَهُ بَعْضُ النَّاسِ مِن المَلَائِكَةِ لِدُخُولِهِ فِي الْأَمْرِ بِالسُّجُودِ وَبَعْضُهُمْ مِن الجِنِّ لِأَنَّ لَهُ قَبِيلاً وَذُرِّيَّةً وَلِكَوْنِهِ خُلِقَ مِنْ نَارٍ وَالْمَلَائِكَةُ خُلِقُوا مِنْ نُورٍ .
وَالتَّحْقِيقُ : أَنَّهُ كَانَ مِنْهُمْ بِاعْتِبَارِ صُورَتِهِ وَلَيْسَ مِنْهُمْ بِاعْتِبَارِ أَصْلِهِ وَلَا بِاعْتِبَارِ مِثَالِهِ وَلَمْ يَخْرُجْ مِن السُّجُودِ لِآدَمَ أَحَدٌ مِن المَلَائِكَةِ : لَا جبرائيل وَلَا ميكائيل وَلَا غَيْرُهُمَا .
وَمَا ذَكَرَهُ صَاحِبُ خَوَاصِّ الْقُرْآنِ وَأَمْثَالُهُ مِنْ خِلَافٍ فَأَقْوَالُهُمْ بَاطِلَةٌ قَدْ بَيَّنَّا فَسَادَهَا وَبُطْلَانَهَا بِكَلَامِ مَبْسُوطٍ لَيْسَ هَذَا مَوْضِعَهُ .
وَهَذَا مِمَّا اسْتَدَلَّ بِهِ أَهْلُ السُّنَّةِ عَلَى أَنَّ آدَمَ وَغَيْرَهُ مِن الأَنْبِيَاءِ وَالْأَوْلِيَاءِ
مجموعة الفتاوى — صفحة 346
مساهمون: ابن تيمية
ص٣٤٦