تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مجموعة الفتاوى — صفحة 200

مساهمون:

ص٢٠٠
وَلَيْسَ مَعْنَى قَوْلِهِ { وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ } أَنَّهُ مُخْتَلِطٌ بِالْخَلْقِ فَإِنَّ هَذَا لَا تُوجِبُهُ اللُّغَةُ وَهُوَ خِلَافُ مَا أَجْمَعَ عَلَيْهِ سَلَفُ الْأُمَّةِ وَخِلَافُ مَا فَطَرَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْخَلْقَ بَلْ الْقَمَرُ آيَةٌ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ مِنْ أَصْغَرِ مَخْلُوقَاتِهِ ؛ وَهُوَ مَوْضُوعٌ فِي السَّمَاءِ وَهُوَ مَعَ الْمُسَافِرِ أَيْنَمَا كَانَ . وَلَمَّا ذَكَرْت : أَنَّ جَمِيعَ أَسْمَاءِ اللَّهِ الَّتِي يُسَمَّى بِهَا الْمَخْلُوقُ - كَلَفْظِ " الْوُجُودِ " : الَّذِي هُوَ مَقُولٌ بِالْحَقِيقَةِ عَلَى الْوَاجِبِ وَالْمُمْكِنِ : تَنَازَعَ كَبِيرَانِ هَلْ هُوَ مَقُولٌ بِالِاشْتِرَاكِ أَوْ بِالتَّوَاطُؤِ ؟ فَقَالَ أَحَدُهُمَا هُوَ مُتَوَاطِئٌ . وَقَالَ آخَرُ هُوَ مُشْتَرَكٌ لِئَلَّا يَلْزَمَ التَّرْكِيبُ . وَقَالَ هَذَا : قَدْ ذَكَرَ فَخْرُ الدِّينِ أَنَّ هَذَا النِّزَاعَ مَبْنِيٌّ عَلَى أَنَّ وُجُودَهُ هَلْ هُوَ عَيْنُ مَاهِيَّتِه أَمْ لَا ؟ فَمَنْ قَالَ : إنَّ وُجُودَ كُلِّ شَيْءٍ عَيْنُ مَاهِيَّتِهِ قَالَ : إنَّهُ مَقُولٌ بِالِاشْتِرَاكِ وَمَنْ قَالَ إنَّ وُجُودَهُ قَدْرٌ زَائِدٌ عَلَى مَاهِيَّتِهِ قَالَ : إنَّهُ مَقُولٌ بِالتَّوَاطُؤِ فَأَخْذُ الْأَوَّلِ يُرَجِّحُ قَوْلَ مَنْ يَقُولُ : إنَّ الْوُجُودَ زَائِدٌ عَلَى الْمَاهِيَّةِ لِيَنْصُرَ أَنَّهُ مَقُولٌ بِالتَّوَاطُؤِ فَقَالَ الثَّانِي : مَذْهَبُ الْأَشْعَرِيِّ وَأَهْلِ السُّنَّة أَنَّ وُجُودَهُ عَيْنُ مَاهِيَّتِهِ ؛ فَأَنْكَرَ الْأَوَّلُ ذَلِكَ . فَقُلْت : أَمَّا مُتَكَلِّمُو أَهْلِ السُّنَّة فَعِنْدَهُمْ أَنَّ وُجُودَ كُلِّ شَيْءٍ عَيْنُ مَاهِيَّتِه ؛ وَأَمَّا الْقَوْلُ الْآخَرُ : فَهُوَ قَوْلُ الْمُعْتَزِلَةِ : أَنَّ وُجُودَ كُلِّ شَيْءٍ قَدْرٌ زَائِدٌ عَلَى مَاهِيَّتِهِ . وَكُلٌّ مِنْهُمَا أَصَابَ مِنْ وَجْهٍ ؛ فَإِنَّ الصَّوَابَ أَنَّ هَذِهِ الْأَسْمَاءَ مَقُولَةٌ بِالتَّوَاطُؤِ . كَمَا قَدْ قَرَّرْته فِي غَيْرِ هَذَا الْمَوْضِعِ .
مجموعة الفتاوى — صفحة 200 | ابن تيمية