وَالثَّالِثُ : الْمَعْنَى الْمُطْلَقُ الْجَامِعُ .
فَاسْتِعْمَالُ الْقِيَاسِ الْجَامِعِ فِي نَفْيِ الْأَوَّلِ خَطَأٌ وَكَذَلِكَ اسْتِعْمَالُهُ فِي إثْبَاتِ الثَّانِي وَأَمَّا اسْتِعْمَالُهُ فِي إثْبَاتِ الثَّالِثِ فَيَحْتَاجُ إلَى إدْرَاكِ الْعَقْلِ لِثُبُوتِ الْمَعْنَى الْجَامِعِ الْكُلِّيِّ وَهَذَا أَصْلُ الْقِيَاسِ وَالدَّلِيلُ فَإِنْ لَمْ يَعْرِفْ الْعَقْلُ بِنَفْسِهِ - أَوْ بِوَاسِطَةِ قِيَاسٍ آخَرَ - ثُبُوتَ هَذَا وَإِلَّا لَمْ يَسْتَقِمْ الْقِيَاسُ .
وَكَذَلِكَ فِي مَعَارِفِهِمْ الثُّبُوتِيَّةِ لَا يَأْتُونَ إلَّا بِمَعَانٍ مُطْلَقَةٍ مُجْمَلَةٍ .
مِثْلَ ثُبُوتِ الْوُجُودِ وَوُجُوبِ الْوُجُودِ أَوْ كَوْنِهِ رَبّاً أَوْ صَانِعاً أَوْ أَوَّلاً أَوْ مَبْدَأً أَوْ قَدِيماً وَنَحْوَ ذَلِكَ مِن المَعَانِي الْكُلِّيَّةِ الَّتِي لَا يُعْلَمُ بِهَا خُصُوصُ الرَّبِّ تَعَالَى إذْ الْقِيَاسُ لَا يَدُلُّ عَلَى الْخُصُوصِ فَإِنَّهُ إذَا اسْتَدَلَّ بِأَنَّ كُلَّ مُمْكِنٍ فَلَا بُدَّ لَهُ مِنْ مُوجِبٍ وَبِأَنَّ كُلَّ مُحْدَثٍ فَلَا بُدَّ لَهُ مِنْ مُحْدِثٍ : كَانَ مَدْلُولُ هَذَا الْقِيَاسِ أَمْراً عَامّاً وَقَدْ بَسَطْت هَذَا فِي غَيْرِ هَذَا الْمَوْضِعِ .
وَكَذَلِكَ أَصْحَابُ الرِّيَاضَةِ وَالتَّجَرُّدِ : فَإِنَّ صَفْوَتَهُمْ الَّذِينَ يَشْتَغِلُونَ بِذِكْرِ بَسِيطٍ مِثْلَ لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ إنْ لَمْ يَغْلُوا فَيَقْتَصِرُوا عَلَى مُجَرَّدِ اللَّهُ اللَّهُ وَيَعْتَقِدُونَ أَنَّ ذَلِكَ أَفْضَلُ وَأَكْمَلُ .
كَمَا فَعَلَهُ كَثِيرٌ مِنْهُمْ وَرُبَّمَا اقْتَصَرَ بَعْضُهُمْ عَلَى هُوَ هُوَ .
أَوْ عَلَى قَوْلِهِ : لَا هُوَ إلَّا هُوَ لِأَنَّ هَذَا الذِّكْرَ الْمُبْتَدَعَ الَّذِي هُوَ لَا يُفِيدُ بِنَفْسِهِ إلَّا أَنَّهُ مُطْلَقاً لَيْسَ فِيهِ بِنَفْسِهِ ذِكْرٌ لِلَّهِ إلَّا بِقَصْدِ الْمُتَكَلِّمِ .
فَقَدْ يَنْضَمُّ إلَى ذَلِكَ اعْتِقَادُ صَاحِبِهِ أَنَّهُ لَا وُجُودَ إلَّا هُوَ كَمَا يُصَرِّحُ بِهِ بَعْضُهُمْ وَيَقُولُ : لَا هُوَ إلَّا هُوَ أَوْ لَا مَوْجُودَ إلَّا هُوَ وَهَذَا عِنْدَ الِاتِّحَادِيَّةِ
مجموعة الفتاوى — صفحة 63
مساهمون: ابن تيمية
ص٦٣