تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مجموعة الفتاوى — صفحة 391

مساهمون:

ص٣٩١
" بِي يَسْمَعُ وَبِي يُبْصِرُ وَبِي يَبْطِشُ وَبِي يَمْشِي " بَيْنَ مَعْنَى قَوْلِهِ : { كُنْت سَمْعَهُ وَبَصَرَهُ وَيَدَهُ وَرِجْلَهُ } لَا أَنَّهُ يَكُونُ نَفْسُ الْحَدَقَةِ وَالشَّحْمَةِ وَالْعَصَبِ وَالْقَدَمِ وَإِنَّمَا يَبْقَى هُوَ الْمَقْصُودُ بِهَذِهِ الْأَعْضَاءِ وَالْقُوَى وَهُوَ بِمَنْزِلَتِهَا فِي ذَلِكَ فَإِنَّ الْعَبْدَ بِحَسَبِ أَعْضَائِهِ وَقُوَاهُ يَكُونُ إدْرَاكُهُ وَحَرَكَتُهُ ؛ فَإِذَا كَانَ إدْرَاكُهُ وَحَرَكَتُهُ بِالْحَقِّ ؛ لَيْسَ بِمَعْنَى خَلْقِ الْإِدْرَاكِ وَالْحَرَكَةِ فَإِنَّ هَذَا قَدْرٌ مُشْتَرَكٌ فِيمَنْ يُحِبُّهُ وَفِيمَنْ لَا يُحِبُّهُ وَإِنَّمَا لِلْمَحْبُوبِ الْحَقُّ مِن الحَقِّ مِنْ هَذِهِ الْإِعَانَةِ بِقَدْرِ مَا لَهُ مِن المَعِيَّةِ وَالرُّبُوبِيَّةِ وَالْإِلَهِيَّةِ ؛ فَإِنَّ كُلَّ وَاحِدَةٍ مِنْ هَذِهِ الْأُمُورِ عَامَّةٌ وَخَاصَّةٌ . وَفِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { يَقُولُ اللَّهُ تَعَالَى : عَبْدِي مَرِضْت فَلَمْ تَعُدْنِي فَيَقُولُ : رَبِّ كَيْفَ أَعُودُك وَأَنْتَ رَبُّ الْعَالَمِينَ ؟ فَيَقُولُ : أَمَا عَلِمْت أَنَّ عَبْدِي فُلَاناً مَرِضَ ؟ فَلَوْ عُدْته لَوَجَدْتنِي عِنْدَهُ . عَبْدِي جُعْت فَلَمْ تُطْعِمْنِي . فَيَقُولُ : رَبِّ كَيْفَ أُطْعِمُك وَأَنْتَ رَبُّ الْعَالَمِينَ ؟ فَيَقُولُ : أَمَا عَلِمْت أَنَّ عَبْدِي فُلَاناً جَاعَ ؟ فَلَوْ أَطْعَمْته لَوَجَدْت ذَلِكَ عِنْدِي } فَفِي هَذَا الْحَدِيثِ ذَكَرَ الْمَعْنَيَيْنِ الْحَقَّيْنِ وَنَفَى الْمَعْنَيَيْنِ الْبَاطِلَيْنِ وَفَسَّرَهُمَا . فَقَوْلُهُ : " جُعْت وَمَرِضْت " لَفْظُ اتِّحَادٍ يُثْبِتُ الْحَقَّ . وَقَوْلُهُ : { لَوَجَدْتنِي عِنْدَهُ وَوَجَدْت ذَلِكَ عِنْدِي } نَفْيٌ لِلِاتِّحَادِ الْعَيْنِيِّ بِنَفْيِ الْبَاطِلِ وَإِثْبَاتٌ لِتَمْيِيزِ الرَّبِّ عَنْ الْعَبْدِ .
مجموعة الفتاوى — صفحة 391 | ابن تيمية