وَالْمُؤْمِنُ إنْ قَدَرَ عَدَلَ وَأَحْسَنَ وَإِنْ قُهِرَ وَغُلِبَ صَبَرَ وَاحْتَسَبَ كَمَا قَالَ كَعْبُ بْنُ زُهَيْرٍ فِي قَصِيدَتِهِ الَّتِي أَنْشَدَهَا لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - الَّتِي أَوَّلُهَا بَانَتْ سُعَادُ إلَخْ - فِي صِفَةِ الْمُؤْمِنِينَ :
لَيْسُوا مفاريح إنْ نَالَتْ رِمَاحُهُمْ * يَوْماً وَلَيْسُوا مجازيعا إذَا نِيلُوا
وَسُئِلَ بَعْضُ الْعَرَبِ عَنْ شَيْءٍ مِنْ أَمْرِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ : رَأَيْته يَغْلِبُ فَلَا يَبْطَرُ وَيُغْلَبُ فَلَا يَضْجَرُ .
وَقَدْ قَالَ تَعَالَى : { قَالُوا أَئِنَّكَ لَأَنْتَ يُوسُفُ قَالَ أَنَا يُوسُفُ وَهَذَا أَخِي قَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْنَا إنَّهُ مَنْ يَتَّقِ وَيَصْبِرْ فَإِنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ } وَقَالَ تَعَالَى : { وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا لَا يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئاً } وَقَالَ تَعَالَى : { بَلَى إنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا وَيَأْتُوكُمْ مِنْ فَوْرِهِمْ هَذَا يُمْدِدْكُمْ رَبُّكُمْ بِخَمْسَةِ آلَافٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ مُسَوِّمِينَ } وَقَالَ تَعَالَى : { وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا فَإِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ } فَذَكَرَ الصَّبْرَ وَالتَّقْوَى فِي هَذِهِ الْمَوَاضِعِ الْأَرْبَعَةِ فَالصَّبْرُ يَدْخُلُ فِيهِ الصَّبْرُ عَلَى الْمَقْدُورِ وَالتَّقْوَى يَدْخُلُ فِيهَا فِعْلُ الْمَأْمُورِ وَتَرْكُ الْمَحْظُورِ .
فَمَنْ رُزِقَ هَذَا وَهَذَا فَقَدْ جُمِعَ لَهُ الْخَيْرُ بِخِلَافِ مَنْ عَكَسَ فَلَا يَتَّقِي اللَّهَ بَلْ يَتْرُكُ طَاعَتَهُ مُتَّبِعاً لِهَوَاهُ وَيَحْتَجُّ بِالْقَدَرِ وَلَا يَصْبِرُ إذَا اُبْتُلِيَ وَلَا يَنْظُرُ حِينَئِذٍ إلَى الْقَدَرِ فَإِنَّ هَذَا حَالُ الْأَشْقِيَاءِ كَمَا قَالَ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ : أَنْتَ عِنْدَ الطَّاعَةِ قَدَرِيٌّ وَعِنْدَ الْمَعْصِيَةِ جَبْرِيٌّ أَيُّ مَذْهَبٍ وَافَقَ هَوَاك تَمَذْهَبْت بِهِ .