تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مجموعة الفتاوى — صفحة 277

مساهمون:

ص٢٧٧
( الْوَجْهُ الثَّانِي ) أَنَّ اللَّهَ قَالَ فِي كِتَابِهِ : { وَلَا تَجْعَلْ مَعَ اللَّهِ إلَهاً آخَرَ فَتُلْقَى فِي جَهَنَّمَ مَلُوماً مَدْحُوراً } وَقَالَ تَعَالَى : { فَلَا تَدْعُ مَعَ اللَّهِ إلَهاً آخَرَ فَتَكُونَ مِنَ الْمُعَذَّبِينَ } وَقَالَ : { وَلَا تَدْعُ مَعَ اللَّهِ إلَهاً آخَرَ لَا إلَهَ إلَّا هُوَ كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إلَّا وَجْهَهُ } . فَنَهَاهُ أَنْ يَجْعَلَ أَوْ يَدْعُوَ مَعَهُ إلَهاً آخَرَ وَلَمْ يَنْهَهُ أَنْ يُثْبِتَ مَعَهُ مَخْلُوقاً أَوْ يَقُولَ : إنَّ مَعَهُ عَبْداً مَمْلُوكاً أَوْ مَرْبُوباً فَقِيراً أَوْ مَعَهُ شَيْئاً مَوْجُوداً خَلَقَهُ كَمَا قَالَ : { لَا إلَهَ إلَّا هُوَ } وَلَمْ يَقُلْ لَا مَوْجُودَ إلَّا هُوَ أَوْ لَا هُوَ إلَّا هُوَ أَوْ لَا شَيْءَ مَعَهُ إلَّا هُوَ : بِمَعْنَى أَنَّهُ نَفْسُ الْمَوْجُودَاتِ وَعَيْنُهَا . وَهَذَا كَمَا قَالَ : { وَإِلَهُكُمْ إلَهٌ وَاحِدٌ } فَأَثْبَتَ وَحْدَانِيَّتَهُ فِي الْأُلُوهِيَّةِ وَلَمْ يَقُلْ إنَّ الْمَوْجُودَاتِ وَاحِدٌ فَهَذَا التَّوْحِيدُ الَّذِي فِي كِتَابِ اللَّهِ : هُوَ تَوْحِيدُ الْأُلُوهِيَّةِ وَهُوَ أَنْ لَا تَجْعَلَ مَعَهُ وَلَا تَدْعُوَ مَعَهُ إلَهاً غَيْرَهُ فَأَيْنَ هَذَا مِنْ أَنْ يَجْعَلَ نَفْسَ الْوُجُودِ هُوَ إيَّاهُ ؟ . وَأَيْضاً : فَنَهْيُهُ أَنْ يَجْعَلَ مَعَهُ أَوْ يَدْعُوَ مَعَهُ إلَهاً آخَرَ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ ذَلِكَ مُمْكِنٌ كَمَا فَعَلَهُ الْمُشْرِكُونَ الَّذِينَ دَعَوْا مَعَ اللَّهِ آلِهَةً أُخْرَى فَلَوْ كَانَتْ تِلْكَ الْآلِهَةُ هِيَ إيَّاهُ - وَلَا شَيْءَ مَعَهُ أَصْلاً - امْتَنَعَ أَنْ يُدْعَى مَعَهُ آلِهَةٌ أُخْرَى . فَهَذِهِ النُّصُوصُ : تَدُلُّ عَلَى أَنَّ مَعَهُ أَشْيَاءَ لَيْسَتْ بِآلِهَةِ وَلَا يَجُوزُ أَنْ تُجْعَلَ آلِهَةً وَلَا تُدَّعَى آلِهَةً وَأَيْضاً فَعِنْدَ الْمُلْحِدِينَ يَجُوزُ أَنْ يُعْبَدَ كُلُّ شَيْءٍ ؛ وَيُدْعَى كُلُّ شَيْءٍ ؛ إذْ لَا يُتَصَوَّرُ أَنْ يُعْبَدَ غَيْرُهُ فَإِنَّهُ هُوَ الْأَشْيَاءُ .
مجموعة الفتاوى — صفحة 277 | ابن تيمية