وَأَمَّا هَذَا فَقَدْ صَرَّحَ بِأَنَّهُ مَا ثَمَّ سِوَى الْوُجُودِ الْمُطْلَقِ السَّارِي فِي الْمَوْجُودَاتِ الْمُعَيَّنَةِ ؛ وَالْمُطْلَقُ لَيْسَ لَهُ وُجُودٌ مُطْلَقٌ فَمَا فِي الْخَارِجِ جِسْمٌ مُطْلَقٌ بِشَرْطِ الْإِطْلَاقِ وَلَا إنْسَانٌ مُطْلَقٌ وَلَا حَيَوَانٌ مُطْلَقٌ بِشَرْطِ الْإِطْلَاقِ بَلْ لَا يُوجَدُ إلَّا فِي شَيْءٍ مُعَيَّنٍ .
وَالْحَقَائِقُ لَهَا ثَلَاثُ اعْتِبَارَاتٍ : اعْتِبَارُ الْعُمُومِ وَالْخُصُوصِ وَالْإِطْلَاقِ .
فَإِذَا قُلْنَا : حَيَوَانٌ عَامٌّ أَوْ إنْسَانٌ عَامٌّ أَوْ جِسْمٌ عَامٌّ أَوْ وُجُودٌ عَامٌّ فَهَذَا لَا يَكُونُ إلَّا فِي الْعِلْمِ وَاللِّسَانِ وَأَمَّا الْخَارِجُ عَنْ ذَلِكَ فَمَا ثَمَّ شَيْءٌ مَوْجُودٌ فِي الْخَارِجِ يَعُمُّ شَيْئَيْنِ ؛ وَلِهَذَا كَانَ الْعُمُومُ مِنْ عَوَارِضِ صِفَاتِ الْحَيِّ .
فَيُقَالُ : عِلْمٌ عَامٌّ وَإِرَادَةٌ عَامَّةٌ وَغَضَبٌ عَامٌّ وَخَبَرٌ عَامٌّ وَأَمْرٌ عَامٌّ .
وَيُوصَفُ صَاحِبُ الصِّفَةِ بِالْعُمُومِ أَيْضاً كَمَا فِي الْحَدِيثِ الَّذِي فِي سُنَنِ أَبِي دَاوُد { أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَرَّ بِعَلِيِّ وَهُوَ يَدْعُو فَقَالَ : يَا عَلِيُّ عُمَّ فَإِنَّ فَضْلَ الْعُمُومِ عَلَى الْخُصُوصِ كَفَضْلِ السَّمَاءِ عَلَى الْأَرْضِ } وَفِي الْحَدِيثِ أَنَّهُ { لَمَّا نَزَلَ قَوْلُهُ : { وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ } عَمَّ وَخَصَّ } .
رَوَاهُ مُسْلِمٌ مِنْ حَدِيثِ مُوسَى بْنِ طَلْحَةَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ .
وَتُوصَفُ الصِّفَةُ بِالْعُمُومِ كَمَا فِي حَدِيثِ التَّشَهُّدِ : { السَّلَامُ عَلَيْنَا وَعَلَى عِبَادِ اللَّهِ الصَّالِحِينَ .
فَإِذَا قُلْتُمْ ذَلِكَ فَقَدْ أَصَابَتْ كُلَّ عَبْدٍ صَالِحٍ لِلَّهِ فِي السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ } .
وَأَمَّا إطْلَاقُ مَنْ أَطْلَقَ أَنَّ الْعُمُومَ مِنْ عَوَارِضِ الْأَلْفَاظِ فَقَطْ فَلَيْسَ كَذَلِكَ إذْ مَعَانِي الْأَلْفَاظِ الْقَائِمَةِ بِالْقَلْبِ أَحَقُّ بِالْعُمُومِ مِن الأَلْفَاظِ ؛ وَسَائِرُ الصِّفَاتِ
مجموعة الفتاوى — صفحة 162
مساهمون: ابن تيمية
ص١٦٢