لعملناه . فجعل الله سبحانه ذلك العمل بمنزلة التجارة ، لأنهم يربحون فيها رضى
الله ، والفوز بالثواب ، والنجاة من العقاب . ( ذلكم خير لكم إن كنتم تعلمون ) أي
ما وصفته وذكرته لكم ، أنفع لكم ، وخير عاقبة ، لو علمتم ذلك ، واعترفتم بصحته .
وقيل : إن معناه أن التجارة التي دللتكم عليها ، خير لكم من التجارة التي أنتم
مشتغلون بها ، لأنها تؤدي إلى ربح لا يزول ، ولا يبيد ، وهذه تؤدي إلى ربح يزول
ويبيد ، إن كنتم تعلمون مضار الأشياء ومنافعها ، يغفر لكم ذنوبكم ، فإنكم إن علمتم
بذلك ( يغفر لكم ذنوبكم ويدخلكم جنات تجري من تحتها الأنهار ومساكن طيبة )
أي مواضع تسكنونها مستلذة مستطابة ( في جنات عدن ) أي إقامة لا تبغون عنها
حولا .
( ذلك الفوز العظيم ) لا ما يعده الناس فوزا من طول البقاء ، وولاية الدنيا .
وسال الحسن عمران بن الحصين ، وأبا هريرة ، عن تفسير قوله ( ومساكن طيبة في
جنات عدن ) فقالا : على الخبير سقطت ، سألنا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم عن ذلك ، فقال :
قصر من لؤلؤ في الجنة ، في ذلك القصر سبعون دارا من ياقوتة حمراء ، في كل دار
سبعون بيتا من زمردة خضراء ، في كل بيت سبعون سريرا ، على كل سرير سبعون
فراشا من كل لون ، على كل فراش امرأة من الحور العين ، في كل بيت سبعون
مائدة ، على كل مائدة سبعون لونا من الطعام في كل بيت سبعون وصيفا ووصيفة .
قال : ويعطي الله المؤمن من القوة في غداة واحدة ، ما يأتي على ذلك كله .
ثم قال سبحانه : ( وأخرى تحبونها ) أي وتجارة أخرى ، أو خصلة أخرى ،
تحبونها عاجلا مع ثواب الآجل . وهذا من الله تعالى زيادة ترغيب ، إذ علم سبحانه
أن فيهم من يحاول عاجل النصر ، إما رغبة في الدنيا ، وإما تأييدا للدين ، فوعدهم
ذلك بأن قال : ( نصر من الله وفتح قريب ) أي تلك الخصلة ، أو تلك التجارة ، نصر
من الله لكم على أعدائكم ، وفتح قريب لبلادهم ، يعني : النصر على قريش ، وفتح
مكة ، عن الكلبي . وقيل : يريد فتح فارس والروم ، وسائر فتوح الاسلام ، على
العموم ، عن عطاء . وقريب معناه قريب كونه . وقيل : قريب منكم ، يقرب الرجوع
منه إلى أوطانكم ( وبشر المؤمنين ) أي بشرهم بهذين الثوابين ، عاجلا وآجلا ، على
الجهاد ، وهو النصر في الدنيا ، والجنة في العقبى .
ثم حض سبحانه المؤمنين على نصرة دينه فقال : ( يا أيها الذين آمنوا كونوا
تفسير مجمع البيان — صفحة 466
مساهمون: الشيخ الطبرسي
ص٤٦٦