عادة التخاطب فبما بيننا ، لأنا نقول : هذا في قبضة فلان ، وفي يد فلان : إذا هان
عليه التصرف فيه ، وإن لم يقبض عليه ، وكذا قوله : ( والسماوات مطويات بيمينه )
أي : يطويها بقدرته كما يطوي الواحد منا الشئ المقدور له طيه بيمينه . وذكر اليمين
للمبالغة في الاقتدار والتحقيق للملك ، كما قال : ( أو ما ملكت أيمانكم ) أي : ما
كانت تحت قدرتكم ، إذ ليس الملك يختص باليمين دون الشمال ، وسائر الجسد .
وقيل : معناه أنه محفوظات مصونات بقوته . واليمين : القوة كما في قول الشاعر :
إذا ما راية رفعت لمجد ، تلقاها عرابة باليمين ( 1 )
ثم نزه سبحانه نفسه عن شركهم فقال : ( سبحانه وتعالى عما يشركون ) أي :
عما يضيفونه إليه من الشبيه والمثل . ( ونفخ في الصور ) وهو قرن ينفخ فيه
إسرافيل . ووجه الحكمة في ذلك أنها علامة جعلها الله ليعلم بها العقلاء آخر أمرهم
في دار التكليف ، ثم تجديد الخلق . فشبه ذلك بما يتعارفونه من بوق الرحيل ،
والنزول ، ولا تتصوره النفوس بأحسن من هذه الطريقة . وقيل : إن الصور جمع
صورة ، فكأنه نفخ في صورة الخلق ، عن قتادة . وروي عنه أنه قرأ في الصور بفتح
الواو .
( فصعق من في السماوات ومن في الأرض ) أي : يموت من شدة تلك
الصيحة التي تخرج من الصور جميع من في السماوات والأرض ، يقال : صعق فلان
إذا مات بحال هائلة شبيهة بالصيحة العظيمة . ( إلا من شاء الله ) اختلف في المستثنى
فقيل : هم جبرائيل وميكائيل وإسرافيل وملك الموت ، عن السدي ، وهو المروي عن
حديث مرفوع . وقيل : هم الشهداء الذين قتلوا في سبيل الله ، عن سعيد بن جبير
وعطا ، عن ابن عباس وأبي هريرة ، عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنه سال جبرائيل عن هذه
الآية : من الذي لم يشأ الله أن يصعقهم ؟ قال : هم الشهداء متقلدون أسيافهم حول
العرش .
( ثم نفخ فيه أخرى ) يعني نفخة البعث ، وهي النفخة الثانية . وقال قتادة في
حديث رفعه . إن ما بين النفختين أربعين سنة . وقيل : إن الله تعالى يفني الأجسام
كلها بعد الصعق ، وموت الخلق ، ثم يعيدها . وقوله : ( فإذا هم قيام ) إخبار عن
هامش
( 1 ) قائله شماخ ونسبه الجوهري إلى الحطيئة وعرابة : اسم رجل من الأنصار وقد مر البيت أيضا .