وما هو كائن ، وبذكر من قبلي : ما قد كان . وقيل : إن معناه في القرآن خبر من معي
على ديني ممن يتبعني إلى يوم القيامة ، بما لهم من الثواب على الطاعة ، والعقاب
على المعصية ، وذكر ما أنزل الله من الكتب قبلي ، فانظروا هل في واحد من الكتب
أن الله أمر باتخاذ إله سواه . فبطل بهذا البيان جواز اتخاذ معبود سواه من حيث الأمر
به . وقال الزجاج : قل لهم هاتوا برهانكم بأن رسولا من الرسل أتى أمته بأن لهم إلها
غير الله ، فهل في ذكر من معي وذكر من قبلي إلا توحيد الله ؟ ويدل على صحة هذا
قوله فيما بعد : ( وما أرسلنا من قبلك من رسول إلا نوحي إليه أنه لا إله إلا أنا
فاعبدون ) .
فلما توجهت الحجة عليهم ذمهم سبحانه على جهلهم بمواضع الحق فقال :
( بل أكثرهم لا يعلمون الحق فهم معرضون ) عن التأمل والتفكر . واختص الأكثر
منهم لأن فيهم من آمن ( وما أرسلنا من قبلك ) يا محمد ( من رسول ) أي :
رسولا . ومن : مزيدة ( إلا نوحي إليه ) نحن ، أو يوحى إليه أي : يوحي الله إليه
ب ( أنه لا إله ) أي : لا معبود على الحقيقة ( إلا أنا فاعبدون ) أي : فوجهوا العبادة
إلي دون غيري ( وقالوا اتخذ الرحمن ولدا ) يعني من الملائكة ( سبحانه ) نزه نفسه
عن ذلك ، لأن اتخاذ الولد لا يخلو إما أن يكون على سبيل التوالد ، أو على سبيل
التبني ، وكلاهما لا يجوز عليه ، لأن الأول يقتضي أن يكون من قبيل الأجسام ،
والثاني وهو التبني يكون بأن يقيم غير ولده مقام ولده . وإذا كان حقيقة الولد مستحيلا
منه ، فالمشبه به كذلك ، وليس ذلك كالخلة لأنه من الإختصاص ، وحقيقته جائزة
عليه .
( بل عباد مكرمون ) أي : ليسوا أولاد الله كما يزعمون ، بل هم عباد مكرمون
أكرمهم الله واصطفاهم ( لا يسبقونه بالقول ) أي : لا يتكلمون إلا بما يأمرهم به
ربهم ، فكل أقوالهم طاعة لربهم ، وناهيك بذلك جلالة قدرهم ( وهم بأمره يعملون )
ومن كان بهذه الصفة لا يوصف بأنه ولده ( يعلم ما بين أيديهم وما خلفهم ) أي : ما
قدموا من أعمالهم ، وما أخروا منها . يعني ما عملوا ، وما هم عاملون ( ولا يشفعون
إلا لمن ارتضى ) الله دينه . وقال مجاهد : إلا لمن رضي الله عنه . وقيل : إنهم أهل
شهادة أن لا إله إلا الله ، عن ابن عباس . وقيل . هم المؤمنون المستحقون للثواب ،
وحقيقته أنهم لا يشفعون إلا لمن ارتضى الله أن يشفع فيه ، فيكون في معنى قوله :
( من ذا الذي يشفع عنده إلا بإذنه ) .
تفسير مجمع البيان — صفحة 81
مساهمون: الشيخ الطبرسي
ص٨١