الآخرة ) وهذا أيضا من مقالة المؤمنين من قوم قارون له . وقيل : إن المخاطب له
بذلك موسى ، وإن ذكر بلفظ الجمع ، ومعناه : اطلب فيما أعطاك الله من الأموال
الدار الآخرة ، بأن تنفقها في سبيل الخير ، ووجوه الخير والبر . ( ولا تنس نصيبك
من الدنيا ) وهو أن تعمل في الدنيا للآخرة عن أكثر المفسرين ، ومعناه : لا تنس أن
تعمل لآخرتك ، لأن حقيقة نصيب الانسان من الدنيا الذي يعمل به لآخرته . وروي
في معناه عن علي عليه السلام : لا تنس صحتك وقوتك وفراغك وشبابك ونشاطك وغناك ،
أن تطلب بها الآخرة . وقيل : امر أن يقدم الفضل ، وأن يمسك ما يغنيه ، عن
الحسن . وقيل : معناه أنه كان قتورا شحيحا ، فقيل له . كل واشرب واستمتع بما
آتاك الله من الوجه الذي أباحه الله لك ، فإن ذلك غير محظور عليك .
( وأحسن كما أحسن الله إليك ) أي : أفضل على الناس كما أفضل الله
عليك . وقيل : أحسن فيما افترض الله عليك ، كما أحسن في إنعامه عليك ، عن
يحيى بن سلام . وقيل : معناه وأحسن شكر الله تعالى على قدر إنعامه عليك ، وواس
عباد الله بمالك . ( ولا تبغ الفساد ) أي : لا تطلب العمل ( في الأرض ) بالمعاصي
( إن الله لا يحب المفسدين ) ظاهر المعني . ( قال ) قارون ( إنما أوتيته على علم
عندي ) اختلف في معناه فقيل : أراد إنما أعطيت هذا المال بفضل وعلم عندي ،
ليس ذلك عندكم ، عن قتادة ، يعني أنه قدر أن هذا ثواب من الله له ، لفضيلته ، كما
أخبر سبحانه عن ذلك الكافر بقوله ( ولئن رددت إلى ربي لأجدن خيرا منها منقلبا ) .
وقيل : معناه لرضا الله عني ، ومعرفته باستحقاقي ، عن ابن زيد ، وهذا قريب من
الأول . وقيل : معناه إن المال حصل له على علم عندي بوجوه المكاسب ، وبما لا
يتهيأ لأحد أن يكتسبه من التجارات والزراعات وغيرها . وقيل : على علم عندي
بصنعة الذهب ، وهو علم الكيمياء ، عن الكلبي . وحكي أن موسى عليه السلام علم قارون
الثلث من صنعة الكيمياء ، وعلم يوشع الثلث منها ، وعلم ابن هارون الثلث منها ،
فخدعهما قارون حتى علم ما عندهما ، وعمل بالكيمياء ، فكثرت أمواله .
( أو لم يعلم أن الله قد أهلك من قبله من القرون ) الكافرة بنعمته . ( من هو
أشد قوة وأكثر جمعا ) كقوم عاد وثمود وقوم لوط وغيرهم . ثم بين سبحانه أن اغتراره
بماله وعدده من الخطأ العظيم ، لأنه لا ينتفع بذلك عند نزول العذاب به ، كما أن من
كانوا أقوى وأغنى منه ، لم تغن أموالهم وأشغالهم عنهم شيئا ، عند ذلك . ( ولا يسأل
تفسير مجمع البيان — صفحة 460
مساهمون: الشيخ الطبرسي
ص٤٦٠