ما أنتم تثبتون عليه الآن ، ويوم يرجعون إليه . خرج من الخطاب إلى الغيبة .
المعنى : لما تقدم ذكر المعاشرة مع الأقرباء والمسلمين ، بين سبحانه في هذه
الآية كيفية المعاشرة مع النبي صلى الله عليه وآله وسلم فقال : ( إنما المؤمنون الذين آمنوا بالله
ورسوله ) أي : ليس المؤمنون على الحقيقة إلا الذين صدقوا بتوحيد الله وعدله ،
وأقروا بصدق رسوله ( وإذا كانوا معه ) أي : مع رسوله ( على أمر جامع ) وهو الذي
يقتضي الاجماع عليه ، والتعاون فيه ، من حضور حرب ، أو مشورة في أمر ، أو
صلاة جمعة ، أو ما أشبه ذلك ( لم يذهبوا حتى يستأذنوه ) أي : لم ينصرفوا عن
الرسول ، أو عن ذلك الأمر إلا بعد أن يطلبوا الإذن منه في الانصراف ( إن الذين
يستأذنونك ) يا محمد ( أولئك الذين يؤمنون بالله ورسوله ) أي : فهم الذين يصدقون
بالله ورسوله على الحقيقة دون الذين ينصرفون بلا استئذان ( فإذا استأذنوك لبعض
شأنهم ) أي : متى ما استأذنك هؤلاء المؤمنون أن يذهبوا لبعض مهماتهم ، وحاجاتهم
( فأذن لمن شئت منهم ) خير سبحانه نبيه صلى الله عليه وآله وسلم بين أن يأذن ، وأن لا يأذن . وهكذا
حكم من قام مقامه من الأئمة .
( واستغفر لهم الله ) أي : واطلب المغفرة لهم من الله بخروجهم من جملة من
معك . واستغفار النبي صلى الله عليه وآله وسلم لهم هو دعاؤه لهم باللطف الذي تقع معه المغفرة ( إن
الله غفور ) للمؤمنين أي : ساتر لذنوبهم ( رحيم ) بهم أي : منعم عليهم . ثم أمر
سبحانه جميع المكلفين فقال : ( لا تجعلوا دعاء الرسول بينكم كدعاء بعضكم
بعضا ) اختلف في تأويله على وجوه أحدها : إنه سبحانه علمهم تفخيم النبي صلى الله عليه وآله وسلم
في المخاطبة ، وأعلمهم فضله فيه على سائر البرية . والمعنى : لا تقولوا له عند
دعائه : يا محمد ، أو يا بن عبد الله ، ولكن قولوا : يا رسول الله ، يا نبي الله ، في
لين وتواضع وخفض صوت ، عن ابن عباس ومجاهد وقتادة وثانيها : إنه نهى عن
التعرض لدعاء رسوله عليهم ، فالمعنى : احذروا دعاءه عليكم إذا أسخطتموه ، فإن
دعاءه موجب مجاب بغير شك ، وليس كدعاء غيره ، عن ابن عباس في رواية أخرى
وثالثها : إن المعنى : ليس الذي يأمركم به الرسول ، ويدعوكم إليه ، كما يدعو
بعضكم بعضا ، لأن في القعود عن أمره قعودا عن أمر الله تعالى ، عن أبي مسلم .
( قد يعلم الله الذين يتسللون منكم لواذا ) قال ابن عباس : هو أن يلوذ بغيره
فيهرب ، وذلك أن المنافقين كان يثقل عليهم خطبة النبي صلى الله عليه وآله وسلم يوم الجمعة ،
تفسير مجمع البيان — صفحة 276
مساهمون: الشيخ الطبرسي
ص٢٧٦