العرب والعجم ، فيجعلهم سكانها وملوكها ( كما استخلف الذين من قبلهم ) قال
مقاتل : يعني بني إسرائيل ! . إذ أهلك الله الجبابرة بمصر ، وأورثهم أرضهم ،
وديارهم ، وأموالهم . وعن أبي بن كعب قال : لما قدم رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وأصحابه
المدينة ، وآوتهم الأنصار ، رمتهم العرب عن قوس واحدة ، وكانوا لا يبيتون إلا مع
السلاح ، ولا يصبحون إلا فيه . فقالوا : ترون أنا نعيش حتى نبيت آمنين مطمئنين ،
لا نخاف إلا الله ؟ فنزلت هذه الآية . وعن المقداد بن الأسود ، عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم
أنه قال : " لا يبقى على الأرض بيت مدر ، ولا وبر ، إلا أدخله الله تعالى كلمة
الاسلام ، بعز عزيز ، أو ذل ذليل ، إما أن يعزهم الله فيجعلهم من أهلها ، وإما أن
يذلهم فيدينون لها " . وقيل : إنه أراد بالأرض أرض مكة ، لأن المهاجرين كانوا
يسألون ذلك .
( وليمكنن لهم دينهم الذي ارتضى لهم ) يعني دين الاسلام الذي أمرهم أن
يدينوا به ، وتمكينه أن يظهره على الدين كله ، كما قال : " زويت لي الأرض فأريت
مشارقها ومغاربها ، وسيبلغ ملك أمتي ما زوي لي منها " . وقيل : تمكينه بإعزاز أهله
وإذلال أهل الشرك ، وتمكين أهله من إظهاره بعد أن كانوا يخفونه . ( وليبدلنهم من
بعد خوفهم أمنا ) أي : وليصيرنهم بعد أن كانوا خائفين بمكة ، آمنين بقوة الاسلام
وانبساطه . قال مقاتل : وقد فعل الله ذلك بهم ، وبمن كان بعدهم من هذه الأمة :
مكن لهم في الأرض ، وأبدلهم أمنا من بعد خوف ، وبسط لهم في الأرض ، فقد
أنجز وعده لهم . وقيل : معناه وليبدلنهم من بعد خوفهم في الدنيا أمنا في الآخرة ،
ويعضده ما روي عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال حاكيا عن الله سبحانه : إني لا أجمع على
عبد واحد بين خوفين ، ولا بين أمنين : إن خافني في الدنيا أمنته في الآخرة ، وإن
أمنني في الدنيا ، خوفته في الآخرة .
( يعبدونني لا يشركون بي شيئا ) هذا استئناف كلام في الثناء عليهم ، ومعناه :
لا يخافون غيري ، عن ابن عباس . وقيل : معناه لا يراؤون بعبادتي أحدا . وفي الآية
دلالة على صحة نبوة نبينا صلى الله عليه وآله وسلم من جهة الإخبار عن غيب لا يعلم إلا بوحي من الله
عز وجل . ( ومن كفر بعد ذلك ) أي : بعد هذه النعم ( فأولئك هم الفاسقون ) ذكر
الفسق بعد الكفر ، مع أن الكفر أعظم من الفسق ، لأن الفسق في كل شئ هو
الخروج إلى أكثره . فالمعنى : أولئك هم الخارجون إلى أقبح وجوه الكفر وأفحشه .
تفسير مجمع البيان — صفحة 266
مساهمون: الشيخ الطبرسي
ص٢٦٦