اثنين ، وأحد ثلاثة ، وأحد أربعة ، وأحد خمسة . والآخر : قولهم ثالث اثنين ،
وخامس أربعة : بمعنى أنه ثلث اثنين ، وخمس أربعة . فالأول إضافة حقيقية
محضة ، والثاني إضافة غير محضة ، إذ هو في تقدير الانفصال ، إذ هما في الغار بدل
من قوله ( إذ أخرجه الذين كفروا ) وضع أحد الزمانين في موضع الآخر لتقاربهما .
المعنى : ثم أعلمهم الله سبحانه ، أنهم إن تركوا نصرة رسوله ، لم يضره ذلك
شيئا ، كما لم يضره قلة ناصريه ، حين كان بمكة ، وهم به الكفار ، فتولى الله نصره
فقال : ( إلا تنصروه فقد نصره الله ) معناه : إن لم تنصروا النبي صلى الله عليه وآله وسلم ، على قتال
العدو ، فقد فعل الله به النصر ( إذ أخرجه الذين كفروا ) من مكة ، فخرج يريد
المدينة ( ثاني اثنين ) يعني أنه كان هو وأبو بكر ( إذ هما في الغار ) ليس معهما ثالث
أي : وهو أحد اثنين ، ومعناه فقد نصره الله منفردا من كل شئ ، إلا من أبي بكر ،
والغار : الثقب العظيم في الجبل ، وأراد به هنا ( غار ثور ) وهو جبل بمكة ( إذ يقول
لصاحبه ) أي : إذ يقول الرسول لأبي بكر ( لا تحزن ) أي : لا تخف ( إن الله معنا )
يريد أنه مطلع علينا ، عالم بحالنا ، فهو يحفظنا وينصرنا .
قال الزهري : لما دخل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ، وأبو بكر الغار ، أرسل الله زوجا من
حمام ، حتى باضا في أسفل الثقب ، والعنكبوت حتى تنسج بيتا ، فلما جاء سراقة بن
مالك في طلبهما ، فرأى بيض الحمام ، وبيت العنكبوت ، قال : لو دخله أحد
لانكسر البيض ، وتفسخ بيت العنكبوت ، فانصرف .
وقال النبي صلى الله عليه وآله وسلم : اللهم أعم أبصارهم ! فعميت أبصارهم عن دخوله ،
وجعلوا يضربون يمينا وشمالا حول الغار ، وقال أبو بكر لو نظروا إلى أقدامهم لرأونا .
وروى علي بن إبراهيم بن هاشم قال : كان رجل من خزاعة فيهم ، يقال له أبو كرز ،
فما زال يقفو أثر رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ، حتى وقف بهم باب الغار ، فقال لهم : هذه قدم
محمد صلى الله عليه وآله وسلم ، هي والله أخت القدم التي في المقام ، وقال : هذه قدم أبي قحافة ،
أو ابنه وقال : ما جازوا هذا المكان ، إما أن يكونوا قد صعدوا في السماء ، أو دخلوا
في الأرض . وجاء فارس من الملائكة في صورة الإنس ، فوقف على باب الغار ،
ونزل رجل من قريش ، فبال على باب الغار ، فقال أبو بكر : قد أبصرونا يا رسول
الله ؟ ! فقال صلى الله عليه وآله وسلم : لو أبصرونا ما استقبلونا بعوراتهم .
تفسير مجمع البيان — صفحة 57
مساهمون: الشيخ الطبرسي
ص٥٧