ما يقسم الله أقبل غير مبتئس منه ، وأقعد كريما ناعم البال
وهو افتعال من البؤس ، وقد يكون البؤس بمعنى الفقر أيضا . والصنع : جعل
الشئ موجودا بعد أن كان معدوما ، ومثله الفعل . وينفصلان من الحدوث من حيث
إن الصنعة يقتضي صانعا ، والفعل يقتضي فاعلا من حيث اللفظ . وليس كذلك
الحدوث لأنه يفيد تجدد الوجود ، لا غير . والصناعة : الحرفة التي يكتسب بها .
والفلك : السفينة ، ويكون واحدا وجمعا . والسخرية : إظهار خلاف الإبطان على
وجه يفهم منه استضعاف العقل ، ومنه التسخير : التذليل يكون استضعافا بالقهر .
والفرق بين السخرية واللعب أن في السخرية خديعة واستنقاصا ، ولا يكون الا
بحيوان . وقد يكون اللعب بجماد . والحلول : النزول للمقام ، وهو من الحل خلاف
الارتحال . وحلول العرض : وجوده في الجوهر من غير شغل حيز . والمصحح
للحلول : التحيز .
الاعراب : ( سوف ) ينقل الفعل من الحال إلى الاستقبال ، مثل السين سواء
إلا أن فيه معنى التسويف ، وهو تعليق النفس بما يكون من الأمور ( من يأتيه ) قيل في
( من ) هذه قولان أحدهما : أن يكون بمعنى أي ، فكأنه قال : أينا يأتيه عذاب يخزيه
والآخر : أن يكون بمعنى الذي ، والمعنى واحد . و ( من ) إذا كانت للاستفهام ،
استغنت عن الصلة ، كما استغنت ( كيف ، وكم ) عن الصلة . وإذا كانت بمعنى
الذي ، فلا بد لها من الصلة ، لأن البيان مطلوب من المسؤول ، دون السائل .
المعنى : ( وأوحي إلى نوح أنه لن يؤمن من قومك إلا من قد آمن ) : أعلم الله
سبحانه نوحا ، أنه لن يؤمن به أحد من قومه في المستقبل ( فلا تبتئس ) أي : لا
تغتم ، ولا تحزن . ( بما كانوا يفعلون ) والعقل لا يدل على أن قوما لا يؤمنون في
المستقبل ، وإنما طريق ذلك السمع ، فلما علم أن أحدا منهم لا يؤمن فيما بعد ، ولا
من نسلهم ، دعا عليهم فقال : ( رب لا تذر على الأرض من الكافرين ديارا . إنك إن
تذرهم يضلوا عبادك ولا يلدوا الا فاجرا كفارا ) فلما أراد الله سبحانه إهلاكهم ، أمر
نبيه باتخاذ السفينة له ولقومه ، فقال ( واصنع الفلك ) أي : إعمل السفينة لتركبها
أنت ، ومن آمن بك ( بأعيننا ) أي : بمرأى منا ، عن ابن عباس . والتأويل : بحفظنا
إياك حفظ الرائي لغيره إذا كان يدفع الضر عنه . وذكر الأعين لتأكيد الحفظ . وقيل :
أراد بالأعين الملائكة الموكلين بك ، وبحضرتهم ، وهم ينظرون بأعينهم إليك . وإنما
تفسير مجمع البيان — صفحة 270
مساهمون: الشيخ الطبرسي
ص٢٧٠