قائما ، والسقيم يصلي جالسا وعلى جنبه أي : مضطجعان . فسمى الصلاة ذكرا ،
رواه علي بن إبراهيم في تفسيره . ولا تنافي بين التفسيرين ، لأنه غير ممتنع وصفهم
بالذكر في هذه الأحوال ، وهم في الصلاة ، وهو قول ابن جريج وقتادة .
( ويتفكرون في خلق السماوات والأرض ) أي : ومن صفة أولي الألباب أن
يتفكروا في خلق السماوات والأرض ، ويتدبروا في ذلك ، ليستدلوا به على وحدانية
الله تعالى ، وكمال قدرته ، وعلمه وحكمته ثم يقولون : ( ربنا ما خلقت هذا باطلا
سبحانك ) أي : ما خلقت هذا الخلق عبثا . وقيل : بالباطل وللباطل ، بل لغرض
صحيح ، وحكمة ومصلحة ، ليكون دليلا على وحدانيتك ، وحجة على كمال
حكمتك .
ثم ينزهونه عن كل ما لا يليق بصفاته ، أو يلحق نقصا بذاته فيقولون
( سبحانك ) أي : تنزيها لك عما لا يجوز عليك ، فلم تخلقهما عبثا ، ولا لعبا ، بل
تعريضا للثواب والأمن من العقاب ( فقنا عذاب النار ) بلطفك الذي يتمسك معه
بطاعتك . وفي هذه الآية دلالة على أن الكفر والقبائح والضلال ليست خلقا لله ، لأن
هذه الأشياء كلها باطلة بلا خوف . وقد نفى الله تعالى ذلك بحكايته عن أولي الألباب
الذين رضي أقوالهم ، بأنه لا باطل فيما خلقه ، فيجب بذاك القطع على أن القبائح
كلها غير مضافة إليه ، ومنفية عنه ، تعالى عما يقول الظالمون علوا كبيرا .
ثم حكى عن أولي الألباب الذين وصفهم بأنهم أيضا يقولون ( ربنا إنك من
تدخل النار فقد أخزيته ) قيل فيه وجوه أحدها : إن معناه فضحته وأهنته ، فيكون
منقولا من الخزي ، ونظيره قوله : ( ولا تخزون في ضيفي ) . وثانيها : قول المفضل
إن معناه أهلكته ، وأنشد :
أخزى الإله من الصليب إلهه ، * واللابسين ملابس الرهبان
وثالثها : إن معناه أحللته محلا ، ووقفته موقفا يستحيا منهم ، فيكون منقولا من
الخزاية التي معناها الاستحياء . وقال ذو الرمة :
خزاية أدركته بعد جولته * من جانب الدف مخلوطا به الغضب
واختلف أهل التأويل في المعني بهذه الآية : فروي عن أنس بن مالك ،
وسعيد بن المسيب ، وقتادة وابن جريج : أن الاخزاء يكون بالتأبيد في النار ، وهي
تفسير مجمع البيان — صفحة 473
مساهمون: الشيخ الطبرسي
ص٤٧٣