فأما قراءة نافع وأبي جعفر وابن عامر ( لا يحسبن ) بالياء ، فلا تحسبنهم بالتاء
وفتح الياء فمثل قراءة ابن كثير ، وأبي عمرو إلا في قوله ( فلا تحسبنهم ) .
والمفعولان اللذان يقتضيهما الحسبان في قوله ( لا يحسبن الذين يفرحون ) محذوفا
لدلالة ما ذكر من بعد عليهما ، ولا يجوز البدل هنا كما جاز هناك ، لاختلاف الفعلين
باختلاف فاعليهما .
وأما قراءة حمزة بالتاء فيهما فحذف المفعول الثاني الذي يقتضيه ( تحسبن ) لأن
ما يجئ من بعد قوله ( فلا تحسبنهم بمفازة من العذاب ) يدل عليه . ويجوز أن
يجعل ( تحسبنهم ) بدلا من ( تحسبن ) ، والفاء زائدة كما في قوله : " فإذا هلكت
فعند ذلك فاجزعي " .
النزول : نزلت في اليهود حيث كانوا يفرحون بإجلال الناس لهم ، ونسبتهم
إياهم إلى العلم ، عن ابن عباس . وقيل : نزلت في أهل النفاق ، لأنهم كانوا
يجمعون على التخلف عن الجهاد مع رسول الله " صلى الله عليه وآله وسلم " . فإذا رجعوا اعتذروا وأحبوا
أن يقبل منهم العذر ، ويحمدوا بما ليسوا عليه من الإيمان ، عن أبي سعيد الخدري ،
وزيد بن ثابت . وقيل : أتت يهود خيبر إلى النبي " صلى الله عليه وآله وسلم " فقالوا : نحن نعرفك ونؤمن
بك ، وليس ذلك في قلوبهم . فحمدهم المسلمون . فنزلت فيهم الآية ، عن قتادة .
المعنى : ثم بين سبحانه خصلة أخرى ذميمة من خصال اليهود فقال : ( لا
تحسبن الذين يفرحون بما أتوا ) أي : الفارحون الذين يفرحون بالنفاق ( ويحبون أن
يحمدوا بما لم يفعلوا ) أي : بالإيمان . وقيل : هم اليهود الذين فرحوا بكتمان أمر
النبي " صلى الله عليه وآله وسلم " ، وأحبوا أن يحمدوا بأنهم أئمة ، وليسوا كذلك . وقد عرفت المعنى في
القراءة بالتاء والياء في الحجة ، فلا معنى لإعادته . وقال أبو القاسم البلخي : إن
اليهود قالوا نحن أبناء الله وأحباؤه ، وأهل الصلاة والصوم ، وليسوا أولياء الله ، ولا
أحباءه ، ولا أهل الصلاة والصوم ، ولكنهم أهل الشرك والنفاق ، وهو المروي عن أبي
جعفر الباقر " عليه السلام " . وقيل : معناه إنهم يحبون أن يحمدوا على إبطالهم أمر محمد ،
وتكذيبهم به . والأقوى أن يكون المعني بالآية من أخبر الله عنهم ، أنه أخذ ميثاقهم
في أن يبينوا أمر محمد ، ولا يكتموه . وعليه أكثر أهل التأويل . وقوله : ( فلا
تحسبنهم بمفازة من العذاب ) أي : لا تظننهم بمنجاة ، وبعد من النار ( ولهم عذاب
أليم ) أي : مؤلم موجع .
تفسير مجمع البيان — صفحة 469
مساهمون: الشيخ الطبرسي
ص٤٦٩