في قوله ( فأما الذين اسودت وجوههم ) ( 1 ) فيقال لهم : أكفرتم ، فحذف لدلالة
اسوداد الوجوه على حال التوبيخ ، حتى كأنه ناطق به . وقد يحذف القول في مواضع
كثيرة استغناء بما قبله من البيان كقوله : ( ولو ترى إذ المجرمون ناكسوا رؤوسهم عند
ربهم ربنا أبصرنا ) أي : يقولون ربنا أبصرنا لدلالة تنكيس الرأس من المجرمين على
سؤال الإقالة ، ومثله كثير .
المعنى : ( يوم تبيض وجوه وتسود وجوه ) أخبر سبحانه بوقت ذلك العذاب
أي : ثبت لهم العذاب في يوم هذه صفته . وإنما تبيض فيه الوجوه للمؤمنين ثوابا لهم
على الايمان والطاعة ، وتسود فيه الوجوه للكافرين عقوبة لهم على الكفر والسيئات ،
بدلالة ما بعده وهو قوله : ( فأما الذين اسودت وجوههم أكفرتم ) أي : يقال لهم :
أكفرتم ( بعد إيمانكم ) . واختلف فيمن عنوا به على أقوال أحدها : إنهم الذين كفروا
بعد إظهار الايمان بالنفاق ، عن الحسن . وثانيها : إنهم جميع الكفار لاعراضهم عما
وجب عليهم الاقرار به من التوحيد ، حين أشهدهم على أنفسهم ( ألست بربكم قالوا
بلى ) فيقول : أكفرتم بعد إيمانكم يوم الميثاق ، عن أبي بن كعب وثالثها : إنهم أهل
الكتاب كفروا بالنبي صلى الله عليه وآله وسلم بعد إيمانهم به أي : بنعته وصفته قبل مبعثه ، عن
عكرمة ، واختاره الزجاج والجبائي ورابعها : إنهم أهل البدع والأهواء من هذه الأمة ،
عن علي عليه السلام ، ومثله عن قتادة أنهم الذين كفروا بالارتداد ، ويروى عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم
أنه قال : " والذي نفسي بيده ليردن علي الحوض ممن صحبني أقوام حتى إذا رأيتهم
اختلجوا دوني ، فلأقولن : أصحابي أصحابي أصحابي ! فيقال : إنك لا تدري ما
أحدثوا بعد إيمانهم ارتدوا على أعقابهم القهقري " . ذكره الثعلبي في تفسيره ، فقال
أبو أمامة الباهلي : هم الخوارج . ويروى عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنهم يمرقون من الدين
كما يمرق السهم من الرمية . والألف في أكفرتم أصله الاستفهام والمراد به هنا التقريع
أي : لم كفرتم . وقيل : المراد التقرير أي : قد كفرتم .
( فذوقوا العذاب بما كنتم تكفرون ) أي : بلفظ الذوق على التوسع ومعناه :
أنظروا ما صار إليه عاقبتكم من عذاب الله بما كنتم تكفرون أي : بكفركم ( وأما الذين
ابيضت وجوههم ) وهم المؤمنون ( ففي رحمة الله ) أي : ثواب الله . وقيل : جنة الله
( هم فيها خالدون ) أعاد كلمة الظرف وهي قوله ( فيها ) تأكيدا لتمكين المعنى في
هامش
( 1 ) [ محذوف وتقديره : فأما الذين اسودت وجوههم ] .