متسلمك ، من قولهم : توفيت منه كذا : أي تسلمته . وثانيها : إني متوفيك وفاة
نوم ، ورافعك إلي في النوم ، عن الربيع قال : رفعه نائما . ويدل عليه قوله : ( وهو
الذي يتوفاكم بالليل ) أي يميتكم لأن النوم أخو الموت . وقال ( الله يتوفى الأنفس
حين موتها والتي لم تمت في منامها ) الآية . وثالثها : إني متوفيك وفاة نوم ، عن ابن
عباس ووهب قالا : أماته الله ثلاث ساعات .
فأما النحويون فيقولون : هو على التقديم والتأخير أي : إني رافعك ومتوفيك ،
لأن الواو لا توجب الترتيب بدلالة قوله : ( فكيف كان عذابي ونذر ) والنذر قبل
العذاب بدلالة قوله : ( وما كنا معذبين حتى نبعث رسولا ) وهذا مروي عن
الضحاك ، ويدل عليه ما روي عن النبي " صلى الله عليه وآله وسلم " أنه قال : " كيف أنتم
إذا نزل ابن مريم فيكم ، وإمامكم منكم " ؟ رواه البخاري وملم في الصحيح . فعلى
هذا يكون تقديره : إني قابضك بالموت بعد نزولك من السماء .
وقوله : ( ورافعك إلي ) فيه قولان أحدهما : إني رافعك إلى سمائي . وسمى
رافعه إلى السماء رفعا إليه ، تفخيما لامر السماء ، يعني : رافعك لموضع لا يكون
عليك إلا أمري . والاخر : إن معناه رافعك إلى كرامتي ، كما قال حكاية عن
إبراهيم عليه السلام : ( إني ذاهب إلى ربي سيهديني ) أي : إلى حيث أمرني ربي . سمى
ذهابه إلى الشام ذهابا إلى ربه .
وقوله : ( ومطهرك من الذين كفروا ) وفيه قولان أحدهما : مطهرك باخراجك
من بينهم ، وانجائك منهم ، فإنهم أرجاس . جعل مقامه فيهم بينهم كملاقاة النجاسة
من حيث كان يحتاج إلى مجارتهم والاخر : إن تطهيره منعهم من كفر
يفعلونه بالقتل الذي كانوا هموا به ، لان ذلك رجس طهره الله منه ، عن الجبائي .
وقوله ( وجاعل الذين اتبعوك فوق الذين كفروا إلى يوم القيامة ) معناه : وجاعل
الذين آمنوا بك فوق الذين كذبوا عليك وكذبوك في العز والغلبة والظفر والنصرة .
وقيل : في البرهان والحجة ، والمعني به النصارى . قال ابن زيد : ولهذا لا ترى
اليهود حيث كانوا إلا أذل من النصارى ، ولهذا أزال الملك عنهم ، وإن كان ثابتا في
النصارى على بلاد الروم وغيرها ، فهم أعز منهم ، وفوقهم إلى يوم القيامة .
وقال الجبائي فيه دلالة على أنه لا يكون لليهود مملكة إلى يوم القيامة ، كما
تفسير مجمع البيان — صفحة 306
مساهمون: الشيخ الطبرسي
ص٣٠٦