الكسائي : أصله التشاور ومنه ( يأتمرون بك ) أي يتشاورون . والأقوى عندي أن
يكون المعنى دبروا بالمعروف بينكم في أمر الولد ، ومراعاة أمه ، حتى لا يفوت الولد
شفقتها ، وغير ذلك . ويدل عليه قول امرئ القيس :
أحاربن عمرو ، كأني خمر ، * ويعدو على المرء ما يأتمر ( 1 )
يعني ما يدبره في نفسه لأن الرجل بما دبر أمرا ليس برشد فيعدو عليه ويهلكه
( وإن تعاسرتم فسترضع له أخرى ) والمعنى فإن اختلفتم في الرضاع وفي الأجر ،
فسترضع له امرأة أخرى أجنبية أي : فليسترضع الوالد غير والدة الصبي . ثم قال
سبحانه : ( لينفق ذو سعة من سعته ) أمر سبحانه أهل التوسعة أن يوسعوا ، 1 على نسائهم
المرضعات أولادهن على قدر سعتهم ( ومن قدر عليه ) أي ضيق عليه ( رزقه فلينفق
مما آتاه الله ) والمعنى ومن كان رزقه بمقدار القوت ، فلينفق على قدر ذلك ، وعلى
حسب إمكانه وطاقته ( لا يكلف الله نفسا إلا ما آتاها ) أي إلا بقدر ما أعطاها من
الطاقة . وفي هذا دلالة على أنه سبحانه ، لا يكلف أحدا ما لا يقدر عليه ، وما لا
يطيقه .
( سيجعل الله بعد عسر يسرا ) أي بعد ضيق سعة ، وبعد فقر غنى ، وبعد
صعوبة الأمر سهولة . وفي هذا تسلية للصحابة ، فإن الغالب على أكثرهم في ذلك
الوقت الفقر . ثم فتح الله تعالى عليهم البلاد ، فيما بعد . ( وكأين من قرية عتت عن
أمر ربها ورسله ) أي وكم من أهل قرية عتوا على الله وعلى أنبيائه ، يعني جاوزوا
الحد في العصيان والمخالفة . ( فحاسبناها حسابا شديدا ) بالمناقشة والاستقصاء
باستيفاء الحق وإيفائه . قال مقاتل . حاسبها الله تعالى بعملها في الدنيا ، فجازاها
بالعذاب ، وهو قوله ( وعذبناها عذابا نكرا ) فجعل المجازاة بالعذاب محاسبة وهو
عذاب الاستئصال . وقيل : هو عذاب النار . فإن اللفظ ماض بمعنى المستقبل .
والنكر . المنكر الفظيع الذي لم ير مثله . وقيل : إن في الآية تقديما وتأخيرا تقديره :
فعذبناها في الدنيا بالجوع ، والقحط ، والسيف ، وسائر المصائب والبلايا ،
وحاسبناها في الآخرة حسابا شديدا . وقيل : الحساب الشديد هو الذي ليس فيه
عفو .
هامش
( 1 ) خمر : من خالطه داء أو حب . وفي قائل الشعر ومعناه خلاف ذكره في ( اللسان ) في مادة ( أمر )
فرا جع .