بالمرصاد . وليس يريد به المكان . فقد سئل علي عليه السلام أين كان ربنا قبل أن خلق
السماوات والأرض ؟ فقال : أين سؤال عن مكان ، وكان الله ولا مكان . وروي عن
ابن عباس في هذه الآية قال : إن على جسر جهنم سبع محابس ، يسأل العبد
عندها : أولها عن شهادة أن لا إله إلا الله ، فإن جاء بها تامة جاز إلى الثاني ، فيسأل
عن الصلاة ، فإن جاء بها تامة جاز إلى الثالث ، فيسأل عن الزكاة ، فإن جاء بها تامة
جاز إلى الرابع ، فيسأل عن الصوم ، فإن جاء به تاما جاز إلى الخامس ، فيسأل عن
الحج ، فإن جاء به تاما جاز إلى السادس ، فيسأل عن العمرة ، فإن جاء بها تامة جاز
إلى السابع ، فيسأل عن المظالم ، فإن خرج منها ، وإلا يقال انظروا فإن كان له تطوع
أكمل به أعماله ، فإذا فرغ انطلق به إلى الجنة .
ثم قسم سبحانه أحوال البشر فقال : ( فأما الانسان إذا ما ابتلاه ربه ) أي اختبره
وامتحنه بالنعمة ( فأكرمه ) بالمال ( ونعمه ) بما وسع عليه من أنواع الإفضال ( فيقول
ربي أكرمن ) فيفرح بذلك ويسر ، ويقول ربي أعطاني هذا لكرامتي عنده ، ومنزلتي
لديه أي يحسب أنه كريم على ربه ، حيث وسع الدنيا عليه . ( وأما إذا ما ابتلاه )
بالفقر والفاقة ( فقدر ) أي فضيق وقتر ( عليه رزقه ) وجعله على قدر البلغة ( فيقول
ربي أهانن ) أي فيظن أن ذلك هوان من الله ، ويقول : ربي أذلني بالفقر . ثم قال
( كلا ) أي ليس كما ظن ، فإني لا أغني المرء لكرامته علي ، ولا أفقره لمهانته
عندي ، ولكني أوسع على من أشاء ، وأضيق على من أشاء ، بحسب ما توجبه
الحكمة ، ويقتضيه الصلاح ، ابتلاء بالشكر والصبر ، وإنما الإكرام على الحقيقة يكون
بالطاعة ، والإهانة تكون بالمعصية . ثم بين سبحانه ما يستحق به الهوان ، فقال : بل
إنما أهنت من أهنت ، لأنهم عصوني .
ثم فصل العصيان فقال : ( بل لا تكرمون اليتيم ) وهو الطفل الذي لا أب له
أي : لا تعطونهم مما أعطاكم الله حتى تغنوهم عن ذل السؤال ، وخص اليتيم لأنهم لا
كافل لهم يقوم بأمرهم . وقد قال صلى الله عليه وآله وسلم : ( أنا وكافل اليتيم كهاتين في الجنة ) . وأشار
بالسبابة والوسط . قال مقاتل : كان قدامة بن مظعون في حجر أمية بن خلف يتيما ،
وكان يدفعه عن حقه . فعلى هذا فإنه يحتمل معنيين أحدهما . إنكم لا تحسنون إليه
والآخر : إنكم لا تعطونه حقه من الميراث ، على ما جرت به عادة الكفار من حرمان
اليتيم ما كان له من الميراث .
تفسير مجمع البيان — صفحة 352
مساهمون: الشيخ الطبرسي
ص٣٥٢