على أن الخبر متروك الظاهر ، فيكون معناه إن صح : ان من حمل القرآن على رأيه ،
ولم يعمل بشواهد ألفاظه ، فأصاب الحق فقد أخطأ الدليل . وقد روي عن
النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال : القرآن ذلول ذو وجوه ، فاحملوه على أحسن الوجوه . وروي
عن عبد الله بن عباس أنه قسم وجوه التفسير على أربعة أقسام : تفسير لا يعذر أحد
بجهالته . وتفسير تعرفه العرب بكلامها . وتفسير يعلمه العلماء . وتفسير لا يعرفه إلا
الله عز وجل .
فأما الذي لا يعذر أحد بجهالته : فهو ما يلزم الكافة من الشرائع التي في
القرآن ، وجمل دلائل التوحيد . وأما الذي تعرفه العرب بلسانها : فهو حقائق اللغة ،
وموضوع كلامهم . وأما الذي يعلمه العلماء : فهو تأويل المتشابه ، وفروع الأحكام .
وأما الذي لا يعلمه إلا الله : فهو ما يجري مجرى الغيوب ، وقيام الساعة . وأقول إن
الإعراب أجل علوم القرآن ، فإن إليه يفتقر كل بيان ، وهو الذي يفتح من الألفاظ
الأغلاق ، ويستخرج من فحواها الأعلاق ، إذ الأغراض كامنة فيها ، فيكون هو المثير
لها ، والباحث عنها ، والمشير إليها ، وهو معيار الكلام الذي لا يبين نقصانه ورجحانه
حتى يعرض عليه ، ومقياسه الذي لا يميز بين سقيمه ومستقيمه حتى يرجع إليه .
وقد روي عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال : أعربوا القرآن والتمسوا غرائبه . وإذا كان ظاهر
القرآن طبقا لمعناه ، فكل من عرف العربية والإعراب عرف فحواه ، ويعلم مراد الله به
قطعا ، هذا إذا كان اللفظ غير مجمل يحتاج إلى بيان ، ولا محتمل لمعنيين ، أو
معان ، وذلك مثل قوله : ( ولا تقتلوا النفس التي حرم الله إلا بالحق ) ، وقوله :
( وإلهكم إله واحد ) ، وقوله : ( ولا يظلم ربك أحدا ) وأشباه ذلك .
وأما ما كان مجملا لا ينبئ ظاهره عن المراد به مفصلا ، مثل قوله سبحانه
( أقيموا الصلاة وأتوا الزكاة ) ، ( وآتوا حقه يوم حصاده ) فإنه يحتاج فيه إلى بيان
النبي صلى الله عليه وآله وسلم بوحي من الله سبحانه إليه ، فيبين تفصيل أعيان الصلوات ، وأعداد
الركعات ، ومقادير النصب في الزكاة ، وأمثالها كثيرة . والشروع في بيان ذلك من غير
نص وتوقيف ممنوع منه ، ويمكن أن يكون الخبر الذي تقدم محمولا عليه . وأما ما
كان محتملا لأمور كثيرة ، أو لأمرين : فلا يجوز أن يكون الجميع مرادا ، بل قد دل
الدليل على أنه لا يجوز أن يكون المراد به إلا وجها واحدا ، فهو من باب المتشابه
لاشتباه المراد منه بما ليس بمراد ، فيحمل على الوجه الذي يوافق الدليل ، وجاز أن
يقال إنه هو المراد ، وإن كان اللفظ مشتركا بين معنيين أو أكثر ، ويمكن أن يكون كل
تفسير مجمع البيان — صفحة 40
مساهمون: الشيخ الطبرسي
ص٤٠