الصالحات وآمنوا بما نزل على محمد ) وروي عن ابن عباس أنه قال إنها منسوخة
بقوله ( ومن يبتغ غير الاسلام دينا فلن يقبل منه ) . وهذا بعيد ، لأن النسخ لا يجوز
أن يدخل الخبر الذي هو متضمن للوعد ، وإنما يجوز دخوله في الأحكام الشرعية التي
يجوز تغيرها وتبدلها بتغير المصلحة . فالأولى أن يحمل على أنه لم يصح ، هذا القول
عن ابن عباس . وقال قوم : إن حكمها ثابت والمراد بها : إن الذين آمنوا بأفواههم ،
ولم تؤمن قلوبهم ، من المنافقين واليهود والنصارى والصابئين ، إذا آمنوا بعد النفاق ،
وأسلموا بعد العناد ، كان لهم أجرهم عند ربهم ، كس آمن في أول استدعائه إلى
الإيمان من غير نفاق ، ولا عناد ، لأن قوما من المسلمين قالوا : إن من أسلم بعد
نفاقه وعناده ، كان ثوابه أنقص ، وأجره أقل . فأخبر الله بهذه الآية أنهم سواء في
الأجر والثواب . وقوله ( بالله ) أي : بتوحيد الله ، وصفاته ، وعدله . ( واليوم الآخر )
يعني : يوم القيامة والبعث والنشور ، والجنة ، والنار . ( وعمل صالحا ) أي : عمل
ما أمره الله به من الطاعات ، وإنما لم يذكر ترك المعاصي ، لأن تركها من الأعمال
الصالحة . ( فلهم أجرهم ) أي : جزاؤهم وثوابهم ( عند ربهم ) أي : معد لهم
عنده .
وقوله : ( ولا خوف عليهم ولا هم يحزنون ) مضى تفسيره قبل . وقيل معناه :
لا خوف عليهم فيما قدموا ، ولا هم يحزنون على ما خلفوا . وقيل : لا خوف عليهم
في العقبى ، ولا يحزنون على الدنيا . وفي هذه الآية دلالة على أن الإيمان هو
التصديق ، والاعتقاد بالقلب ، لأنه تعالى قال : ( من آمن بالله ) ، ثم عطف عليه
بقوله ( وعمل صالحا ) . ومن حمل ذلك على التأكيد ، أو الفضل ، فقد ترك الظاهر
وكل شئ يذكرونه مما عطف على الأول بعد دخوله فيه مثل قوله ( فيهما فاكهة ونخل
ورمان ) ، ( وإذ أخذنا من النبيين ميثاقهم ومنك ومن نوح ) فإن جميع ذلك على سبيل
المجاز والاتساع ، ولو خلينا والظاهر لقلنا : إنه ليس بداخل في الأول .
( وإذ أخذنا ميثاقكم ورفعنا فوقكم الطور خذوا ما آتيناكم بقوة
واذكروا ما فيه لعلكم تتقون ( 63 ) ) .
اللغة : الميثاق : هو مفعال من الوثيقة إما بيمين ، وإما بعهد ، أو غير
ذلك من الوثائق . والطور : الجبل في اللغة ، قال العجاج :
دانى جناحيه من الطور فمر * تقضي البازي إذ البازي كسر
تفسير مجمع البيان — صفحة 244
مساهمون: الشيخ الطبرسي
ص٢٤٤