مربعا . وروي أنه كان مثل شكل الرأس . وكان موسى إذا ضربه بعصاه انفجرت منه
في كل ناحية ثلاث عيون ، لكل سبط عين . وكانوا لا يرتحلون مرحلة إلا وجدوا ذلك
الحجر ( 1 ) بالمكان الذي كان به منهم في المنزل الأول . وقوله : ( فانفجرت منه اثنتا
عشرة عينا ) لا ينافي قوله في سورة الأعراف : فانبجست ، لأن الانبجاس هو
الانفجار ، إلا أنه أقل . وقيل : إنه لا يمتنع أن يكون أول ما يضرب عليه العصا كان
ينبجس ، ثم يكثر حتى يصير انفجارا . وقيل : كان ينبجس عند الحاجة ، وينفجر عند
الحاجة . وقيل : كان ينبجس عند الحمل ، وينفجر عند الوضع . وقوله : ( قد علم
كل أناس مشربهم ) أي : قد علم كل سبط وفريق منهم ، موضع شربهم . وقوله :
( كلوا واشربوا ) أي : وقلنا لهم كلوا واشربوا . وهذا كلام مبتدأ . وقوله : ( من
رزق الله ) أي : كلوا من النعم التي من الله بها عليكم من المن والسلوى ، وغير
ذلك ، واشربوا من الماء ، فهذا كله من رزق الله الذي يأتيكم بلا مشقة ، ولا مؤنة ،
ولا تبعة ، فإن الرزق ما للمرزوق أن ينتفع به ، وليس لأحد منعه منه . وقوله : ( ولا
تعثوا ) أي : لا تسعوا في الأرض فسادا . وإنما قال لا تعثوا ( في الأرض مفسدين )
وإن كان العثي لا يكون إلا فسادا ، لأنه يجوز أن يكون فعل ظاهره الفساد ، وباطنه
المصلحة ، فبين أن فعلهم هو العيث الذي هو الفساد ظاهرا وباطنا .
ومتى سئل فقيل : كيف يجتمع ذاك الماء الكثير في ذلك الحجر الصغير ؟ وهل
يمكن ذلك ؟ فالجواب : إن ذلك من آيات الله الباهرة ، والأعاجيب الظاهرة ، الدالة
على أنها من فعل الله تعالى ، المنشئ للأشياء ، القادر على ما يشاء ، الذي تذل له
الصعاب ، ويتسبب له الأسباب . فلا بدع من كمال قدرته ، وجلال عزته ، أن يبدع
خلق المياه الكثيرة ابتداء معجزة لموسى ، ونعمة عليه ، وعلى قومه ومن استبعد ذلك
من الملاحدة الذين ما قدروا الله حق قدره ، ولم يعرفوه حقيقة معرفته ، فالكلام عليهم
إنما يكون في وجود الصانع ، وإثبات صفاته ، واتساع مقدوراته ، ولا معنى للتشاغل
بالكلام معهم في الفرع ، مع خلافهم في الأصل .
( وإذ قلتم يا موسى لن نصبر على طعام واحد فأدع لنا ربك يخرج لنا
مما تنبت الأرض من بقلها وقثائها وفومها وعدسها وبصلها قال أتستبدلون
هامش
( 1 ) [ منهم ] .