على هذا المعنى . ولذلك قال سيبويه : إن في هذا الضرب ، وهو تمام الاسم معنى
يحجز بين الاسم الأول ، وما يجئ بعد التمام . فالنون في ( أربعين ) هو بمنزلة
الفاعل الذي يحجز من أن يسند الفعل إلى المفعول ، فيسند إلى الفاعل ، وينتصب
المفعول لذلك . والنون يتم الاسم الأول ، فينتصب الاسم الذي بعده .
وأما قوله ( اتخذتم ) فإن اتخذت على ضربين : أحدهما يتعدى إلى مفعول
واحد ، كقوله : ( واتخذوا من دون الله آلهة ) وقوله : ( أم اتخذ مما يخلق بنات )
والآخر : يتعدى إلى مفعولين كقوله تعالى ( اتخذوا إيمانهم جنة ) ( فاتخذتموهم
سخريا ) ( لا تتخذوا عدوي وعدوكم أولياء ) . فقوله : ( ثم اتخذتم العجل من
بعده ) تقديره واتخذتم العجل إلها ، فحذف المفعول الثاني ، لأن من صاغ عجلا ،
أو عمله ، لا يستحق الوعيد والغضب من الله تعالى .
المعنى : واذكروا ( إذ واعدنا موسى ) أن نؤتيه الألواح فيها التوراة ،
والبيان ، والشفاء ، على رأس ( أربعين ليلة ) أو عند انقضاء أربعين ليلة ، أو
عند تمام أربعين ليلة . وإنما قلنا إن قوله اذكروا مضمر فيه ، لأن الله تعالى قال
قبل هذا : ( يا بني إسرائيل اذكروا نعمتي التي أنعمت عليكم ) فإذ : هاهنا
معطوفة على الآيات المتقدمة ، وهذه الأربعون ليلة هي التي ذكرها الله في سورة
الأعراف ، فقال : ( وواعدنا موسى ثلاثين ليلة وأتممناها بعشر ) وهي : ذو
القعدة ، وعشر من ذي الحجة . قال المفسرون : لما عاد بنو إسرائيل إلى مصر
بعد انجائهم من البحر ، وهلاك فرعون وقومه ، وعدهم الله إنزال التوراة
والشرائع ، فخلف موسى أصحابه ، واستخلف هارون عليهم . فمكث على
الطور أربعين ليلة ، وأنزل عليه التوراة في الألواح .
وقوله : ( ثم اتخذتم العجل ) أي : اتخذتموه إلها لأن بنفس فعلهم لصورة
العجل لا يكونون ظالمين ، لأن فعل ذلك ليس بمحظور ، وإنما هو مكروه . وأما
الخبر الذي روي أنه صلى الله عليه وآله وسلم لعن المصورين ، فالمراد به من شبه الله بخلقه ، أو اعتقد
فيه أنه صورة . وقوله : ( من بعده ) أي : من بعد غيبة موسى ، وخروجه . وقيل :
من بعد وعد الله إياكم بالتوراة . وقيل : من بعد غرق فرعون ، وما رأيتم من الآيات ،
والكل محتمل . ( وأنتم ظالمون ) أي : مضرون بأنفسكم بما استحققتم من العقاب
على اتخاذكم العجل إلها .
تفسير مجمع البيان — صفحة 212
مساهمون: الشيخ الطبرسي
ص٢١٢