النزول : روي عن ابن مسعود ، وابن عباس أن الله تعالى لما ضرب
المثلين قبل هذه الآية للمنافقين ، يعني قوله " مثلهم كمثل الذي استوقد نارا "
وقوله ( أو كصيب من السماء ) قال المنافقون : الله أعلى وأجل من أن يضرب
هذه الأمثال . فأنزل الله تعالى هذه الآية .
المعنى : " إن الله لا يستحيي " أي لا يدع . وقيل : لا يمتنع لأن أحدنا
إذا استحيى من شئ تركه ، وامتنع منه ، ومعناه : إن الله لا يدع ضرب المثل
بالأشياء الحقيرة لحقارتها ، إذا رأى الصلاح في ضرب المثل بها . وقيل : معناه
هو أن الذي يستحيى منه ما يكون قبيحا في نفسه ، ويكون لفاعله عيب في
فعله ، فأخبر الله تعالى أن ضرب المثل ليس بقبيح ، ولا عيب ، حتى يستحيي
منه . وقيل : معناه إنه لا يخشى أن يضرب مثلا كما قال ( وتخشى الناس والله
أحق أن تخشاه ) أي : تستحيي الناس ، والله أحق أن تستحييه . فالاستحياء
بمعنى الخشية هنا ، كما أن الخشية بمعنى الاستحياء هناك . وأصل
الاستحياء : الانقباض عن الشئ ، والامتناع منه خوفا من مواقعة القبيح .
وقال علي بن عيسى : معناه إنه ليس في ضرب المثل بالحقير للحقير عيب
يستحيى منه ، فكأنه قال : لا يحل ضرب المثل بالبعوض محل ما يستحيى منه ،
فوضع قوله ( إن الله لا يستحيي ) موضعه وقوله : ( ما بعوضة فما فوقها ) أي : ما هو
أعظم منها ، عن قتادة وابن جريج . وقيل : فما فوقها في الصغر والقلة ، لأن الغرض
ههنا الصغر . وقال الربيع بن أنس : إن البعوضة تحيى ما جاعت ، فإذا سمنت
ماتت ، فكذلك القوم الذين ضرب لهم هذا المثل ، إذا امتلأوا من الدنيا ريا ،
أخذهم الله عند ذلك . ثم تلا ( حتى إذا فرحوا بما أوتوا أخذناهم بغتة ) وروي عن
الصادق عليه السلام ، أنه قال : إنما ضرب الله المثل بالبعوضة ، لأن البعوضة على صغر
حجمها ، خلق الله فيها جميع ما خلق في الفيل مع كبره ، وزيادة عضوين آخرين ،
فأراد الله تعالى أن ينبه بذلك المؤمنين على لطيف خلقه ، وعجيب صنعه . وقد
استشهد على استحسان ضرب المثل بالشئ الحقير في كلام العرب بقول الفرزدق :
ضربت عليك العنكبوت بنسجها ، وقضى عليك به الكتاب المنزل
وبقوله أيضا :
وهل شئ يكون أذل بيتا * من اليربوع يحتفر الترابا
تفسير مجمع البيان — صفحة 135
مساهمون: الشيخ الطبرسي
ص١٣٥