تخصص الجملة التي قبلها ، كما أنها في التبعيض تخصص الجملة التي بعدها
ورابعها : أن تقع مزيدة نحو : ما جاءني من رجل . فإذا قد عرفت هذا ، فقوله
تعالى : ( من مثله ) قال بعضهم : إن " من " بمعنى التبعيض ، وتقديره : فأتوا
ببعض ما هو مثل له وهو سورة . وقيل : هو لتبيين الصفة . وقيل : إن " من "
مزيدة لقوله في موضع آخر بسورة " مثله " أي : مثل هذا القرآن . وتعود الهاء
في ( مثله ) إلى " ما " من قوله ( مما نزلنا على عبدنا ) في الأقوال الثلاثة .
وقيل : إن " من " بمعنى ابتداء الغاية . والهاء من " مثله " : يعود إلى
" عبدنا " ، فيكون معناه بسورة من رجل مثله . والأول أقوى لما نذكره بعد .
المعنى : لما احتج الله تعالى للتوحيد ، عقبه من الإحتجاج للنبوة بما قطع
عذرهم فقال : وإن كنتم في شك من صدق هذا الكتاب الذي أنزلنا على
محمد صلى الله عليه وآله وسلم ، وقلتم لا ندري هل هو من عند الله أم لا ( فأتوا بسورة من مثله )
أي : من مثل القرآن . وعلي قول من يقول الضمير في مثله عائد إلى " عبدنا " :
فالمعنى فأتوا بسورة من بشر أمي مثله لا يحسن الخط والكتابة ، ولا يدري الكتب .
والصحيح هو الأول لقوله تعالى في سورة أخرى : " فليأتوا بحديث مثله " ، وقوله
" فأتوا بسورة مثله " . وقوله : " لئن اجتمعت الإنس والجن على أن يأتوا بمثل هذا
القرآن لا يأتون بمثله ) يعني فأتوا بسورة مثلما أتى به محمد في الإعجاز من حسن
النظم وجزالة اللفظ والفصاحة التي اختصت به ، والإخبار عما كان وعما يكون ، دون
تعلم الكتب ، ودراسة الأخبار . وقوله : " وادعوا شهداءكم " قال ابن عباس : يعني
أعوانكم وأنصاركم الذين يظاهرونكم على تكذيبكم . وسمي أعوانهم شهداء ، لأنهم
يشاهدونهم عند المعاونة . والشهيد يكون بمعنى المشاهد كالجليس والأكيل ، ويسمى
الشاهد على الشئ لغيره بما يحقق دعواه بأنه شهيد أيضا . وقوله : ( من دون الله )
أي من غير الله ، كما يقال : ما دون الله مخلوق ، يريد وادعوا من اتخذتموهم
معاونين من غير الله ( إن كنتم صادقين ) في أن هذا الكتاب يقوله محمد من نفسه .
وقال الفراء : أراد وادعوا آلهتكم . وقال مجاهد ، وابن جريج : أراد قوما يشهدون
لكم بذلك ممن يقبل قولهم . وقول ابن عباس أقوى . لأن معناه استنصروا أعوانكم
على أن يأتوا بمثله ، لأن الدعاء بمعنى الاستعانة كما قال الشاعر ( 1 ) :
هامش
( 1 ) هو : الراعي .