وقيل : إنه نار تنقدح من اصطكاك الأجرام . وفي تأويل الآية ، وتشبيه المثل ،
أقوال أحدها : إنه شبه المطر المنزل من السماء بالقرآن ، وما فيه من الظلمات بما في
القرآن من الابتلاء ، وما فيه من الرعد بما في القرآن من الزجر ، وما فيه من البرق بما
فيه من البيان ، وما فيه من الصواعق بما في القرآن من الوعيد آجلا ، والدعاء إلى
الجهاد عاجلا ، عن ابن عباس وثانيها : إنه مثل للدنيا . شبه ما فيها من الشدة والرخاء
بالصيب الذي يجمع نفعا وضررا ، وإن المنافق يدفع عاجل الضرر ، ولا يطلب آجل
النفع وثالثها : إنه مثل للإسلام لأن فيه الحياة كما في الغيث الحياة ، وشبه ما فيه من
الظلمات بما في إسلامهم من إبطان الكفر ، وما فيه من الرعد بما في الاسلام من
فرض الجهاد ، وخوف القتل وبما يخافونه من وعيد الآخرة ، لشكهم في دينهم ، وما
فيه من البرق بما في إظهار الاسلام من حقن دمائهم ومناكحتهم وموارثتهم ، وما فيه
من الصواعق بما في الاسلام من الزواجر بالعقاب في العاجل والآجل . ويقوي ذلك
ما روي عن الحسن أنه قال : مثل إسلام المنافق كصيب هذا وصفه .
ورابعها : ما روي عن ابن مسعود ، وجماعة من الصحابة : إن رجلين من
المنافقين ، من أهل المدينة ، هربا من رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ، فأصابهما المطر الذي ذكره
الله تعالى فيه رعد شديد ، وصواعق ، وبرق ، وكلما أضاء لهما الصواعق ، جعلا
أصابعهما في آذانهما ، مخافة أن تدخل الصواعق في آذانهما فتقتلهما ، وإذا لمع
البرق مشيا في ضوئه ، وإذا لم يلمع لم يبصرا ، فأقاما فجعلا يقولان : يا ليتنا قد
أصبحنا فنأتي محمدا ، فنضع أيدينا في يديه ، فأصبحا فأتياه فأسلما ، وحسن
إسلامهما . فضرب الله شأن هذين الرجلين مثلا لمنافقي المدينة ، وأنهم إذا حضروا
النبي ، جعلوا أصابعهم في آذانهم فرقا من كلام النبي صلى الله عليه وآله وسلم أن ينزل فيهم شئ ،
كما كان ذانك الرجلان يجعلان أصابعهما في آذانهما ، وكلما أضاء لهم مشوا فيه :
يعني إذا كثرت أموالهم وأصابوا غنيمة ، أو فتحا ، مشوا فيه ، وقالوا : دين محمد
صحيح . وإذا أظلم عليهم قاموا : يعني إذا هلكت أموالهم ، وأصابهم البلاء ،
قالوا : هذا من أجل دين محمد ، فارتدوا . كما قام ذانك الرجلان إذا أظلم البرق
عليهما ، وقوله ( والله محيط بالكافرين ) يحتمل وجوها :
أحدها : إنه عالم بهم ، فيعلم سرائرهم ، ويطلع نبيه على ضمائرهم ، عن
الأصم . وثانيها : إنه قادر عليهم لا يستطيعون الخروج عن قدرته . قال الشاعر :
تفسير مجمع البيان — صفحة 118
مساهمون: الشيخ الطبرسي
ص١١٨