الآية الأخرى " والذي جاء بالصدق وصدق به " وثانيها : أن يقال النون محذوفة من
الذي كما جاء في قول الأخطل :
أبني كليب إن عمي اللذا * قتلا الملوك ، وفككا الأغلالا
وثالثها : أن يكون الكلام على حذف ، كأنه قال : مثلهم كمثل أتباع الذي
استوقد نارا ، ثم حذف المضاف ، وأقام المضاف إليه مقامه كما قال الجعدي :
وكيف تواصل من أصبحت * خلالته كأبي مرحب
يريد كخلالة أبي مرحب ورابعها : أن يقال : أراد بالمستوقد الجنس لما في
( الذي ) من الإبهام ، إذ ليس يراد به تعريف واحد بعينه . وعلى هذا يكون جواب
( لما أضاءت ما حوله ) محذوفا ، كأنه قال طفئت . والضمير في قوله ( ذهب الله
بنورهم ) يعود إلى المنافقين . وخامسها : أن يقال هذا تشبيه الحال بالحال
فتقديره حال هؤلاء المنافقين في جهلهم ، كحال المستوقد نارا . وتشبيه الحال
بالحال جائز ، كما يقال بلادة هؤلاء كبلادة الحمار . ولو قلت هؤلاء كالحمار لم
يجز . ومعنى قوله ( وتركهم في ظلمات لا يبصرون ) معناه : لم يفعل الله لهم
النور ، إذ الترك : هو الكف عن الفعل بالفعل . وهذا إنما يصح فيمن حله فعله ،
والله سبحانه منزه عن أن يحله فعله ، فمعناه : إنه لم يفعل لهم النور حتى صاروا في
ظلمة أشد مما كان قبل الإيقاد . وقوله " لا يبصرون " أي : لا يبصرون الطريق .
( صم بكم عمى فهم لا يرجعون ( 18 ) ) .
اللغة : الأصم : هو الذي ولد كذلك ، وكذلك الأبكم : هو الذي ولد
أخرس . وأصل الصم : السد . والصمم : سد الأذن بما لا يقع منه سمع .
وقناة صماء : صلبة مكتنزة الجوف لسد جوفها بامتلائها . وحجر أصم :
صلب . وفتنة صماء : شديدة . والصمام : ما يسد به رأس القارورة . وأصل
البكم : الاعتقال في اللسان . وهو آفة تمنع من الكلام . وأصل العمى : ذهاب
الإدراك بالعين . والعمى في القلب مثل العمى في العين : آفة تمنع من
الفهم . ويقال : ما أعماه ، من عمى القلب . ولا يقال ذلك في العين ، وإنما
يقال : ما أشد عماه . وما جرى مجراه . والعماية : الغواية . والعماء :
السحاب الكثيف المطبق . والرجوع : قد يكون عن الشئ ، أو إلى الشئ .
تفسير مجمع البيان — صفحة 114
مساهمون: الشيخ الطبرسي
ص١١٤