كل شئ له فيه لذة ينام بالليل في الأودية والشعاب ويقيل النهار في فيافي
الجبال والشجر على التراب ، وإذا مر بما تهواه النفوس لم يعرج عليه يحادث نفسه
بالصبر عنه ، [ يقول لها ] . حتى أبلغ مستقري فأمنحك ما تحبين .
إذا أجهده السير يبكي بحرقة ، ويئن بزفرة ويختنق بعبرة ، لا يجفو على من
جفا عليه ، ولا يؤاخذ من آذاه ، ولا يبالي من جهله ، قد هان عليه في غربته جميع أمور ،
الدنيا حتى يقطع السفر ويرد الحضر .
فقيل لهذا المؤمن العاقل الذي يريد الآخرة ويشنأ الدنيا : كن في الدنيا مثل
هذا الغريب لا يعرج الا على ما قل وكفى وقد ترك ما كثر وإلهي ، فإنك إذا فعلت
ذلك كنت غريبا كعابر سبيل ، حتى ترد الآخرة ، وأنت مخف من الدنيا ، حينئذ
تحمد عواقب الصبر في جميع ما نالك من المشقة في سفرك ، والله أعلم .
[ 21 ] - أخبرنا محمد قال : أنشدني أبو بكر ، محمد بن الجهم المالكي لبعض
الحكماء : [ من الهزج ]
فتى كأس فلم يأسا * على ما يعطب الناسا ( 1 )
ولكن جد في السير * فما قصر مذ كأسا
وقوم جمعوا الدنيا * فصار القوم حراسا
فلم يشغل بهم قلبا * ولم يرفع بهم رأسا
الغرباء من المؤمنين — صفحة 41
مساهمون: أبى عبد الرحمن المصري الأثرى
ص٤١