فإن كان البلاء النازل على العبد نعمة وعطية دار موقفه بين الشكر
والجحود * ( إما شاكرا وإما كفورا ) * وإن كان البلاء مصيبة أو رزية فهو بين
موقفين :
إما الصبر والرضى ، وإما السخط والقنوط . والقدر في الحالتين جار وفق
مشيئة الله لا يصرفه صارف . فمن رضي فله الرضى ، ومن سخط فله السخط .
2 - وصدق الايمان وكذبه ، وقوة اليقين وضعفه ، كل ذلك يتكشف من
خلال التعرض لهذه الفتن ، ولربما كان الابتلاء بالرفاه والنعم أشد من
الابتلاء بالمحن والاسقام . قال الله تعالى : * ( كلا إن الانسان ليطغى أن راه
استغنى ) * .
3 - وليس في هذه الحياة الدنيا دوام لحال ، فلا فقر يدوم ولا غنى ، ولا
كدر ولا صفاء ولا عسر ولا يسر . فينبغي للانسان أن يوطن نفسه على هذا ،
ويستحضر دائما أنه في دار اختبار ، وأن الحياة الآخرة هي دار القرار .
4 - وكتاب الحافظ بن أبي الدنيا " الاعتبار وأعقاب السرور والأحزان "
يدور برمته حول هذه المعاني ، ويسعى إلى تعميقها في نفوس المسلمين .
ويصح لنا من حيث الفحوى أن نقول : " الاعتبار بالسرور والأحزان " أو
" الاختبار بالسرور والأحزان " فالمسلم يأخذ العبرة مما يجري عليه وعلى غيره
في تقلب الدنيا بأهلها ، وتغير أحوالها من النقيض إلى النقيض ، كما يستوعب
العبرة والموعظة من خلال إدراكه لطبيعة الحياة الدنيا ، وطبيعة دورنا فيها ،
فما دامت أنها دار اختبار فكل ما يرد علينا فيها من سرور وأحزان فهو امتحان
واختبار . وهذه النتيجة هي ثمرة أساسية للمرحلة الأولى ، إذ العبرة والتجربة
الاعتبار — صفحة 6
مساهمون: ابن أبي الدنيا
ص٦