تخطي إلى المحتوى الرئيسي

ميزان الحكمة — صفحة 3049

مساهمون:

ص٣٠٤٩

الخلق ( الأعراف : 69 ) اولي قوة وبطش شديد ( فصلت : 15 ، الشعراء : 130 ) وكان لهم تقدم ورقي في المدنية والحضارة ، لهم بلاد عامرة وأراض خصبة ذات جنات ونخيل وزروع ومقام كريم ( الشعراء وغيرها ) ، وناهيك في رقيهم وعظيم مدنيتهم قوله تعالى في وصفهم : * ( ألم تر كيف فعل ربك بعاد * إرم ذات العماد * التي لم يخلق مثلها في البلاد ) * ( 1 ) . لم يزل القوم يتنعمون بنعمة الله حتى غيروا ما بأنفسهم ، فتعرقت فيهم الوثنية وبنوا بكل ريع آية يعبثون ، واتخذوا مصانع لعلهم يخلدون ، وأطاعوا طغاتهم المستكبرين ، فبعث الله إليهم أخاهم هودا يدعوهم إلى الحق ويرشدهم إلى أن يعبدوا الله ويرفضوا الأوثان ويعملوا بالعدل والرحمة ( الشعراء : 130 ) فبالغ في وعظهم وبث النصيحة فيهم ، وأنار الطريق وأوضح السبيل ، وقطع عليهم العذر ، فقابلوه بالإباء والامتناع ، وواجهوه بالجحد والإنكار ، ولم يؤمن به إلا شرذمة منهم قليلون ، وأصر جمهورهم على البغي والعناد ، ورموه بالسفه والجنون ، وألحوا عليه بأن ينزل عليهم العذاب الذي كان ينذرهم ويتوعدهم به ، قال : * ( إنما العلم عند الله وأبلغكم ما أرسلت به ولكني أراكم قوما تجهلون ) * ( 2 ) . فأنزل الله عليهم العذاب وأرسل إليهم الريح العقيم ما تذر من شئ أتت عليه إلا جعلته كالرميم ( الذاريات : 42 ) ريحا صرصرا في أيام نحسات سبع ليال وثمانية أيام حسوما فترى القوم فيها صرعى كأنهم أعجاز نخل خاوية ( الحاقة : 7 ) وكانت تنزع الناس كأنهم أعجاز نخل منقعر ( القمر : 20 ) . وكانوا بادئ ما رأوه عارضا مستقبل أوديتهم استبشروا وقالوا : عارض ممطرنا ، وقد أخطأوا ، بل كان هو الذي استعجلوا به ريح فيها عذاب أليم تدمر كل شئ بأمر ربها فأصبحوا لا يرى إلا مساكنهم ( الأحقاف : 25 ) ، فأهلكهم الله عن آخرهم وأنجى هودا والذين آمنوا معه برحمة منه ( هود : 58 ) . 2 - شخصية هود المعنوية : وأما هود ( عليه السلام ) فهو من قوم عاد وثاني الأنبياء الذين انتهضوا للدفاع عن الحق ودحض الوثنية ممن ذكر الله قصته وما قاساه من المحنة والأذى في جنب الله سبحانه ، وأثنى عليه بما أثنى على رسله الكرام وأشركه بهم في جميل الذكر عليه سلام الله ( 3 ) .

هامش
( 1 ) الفجر : 6 - 8 . ( 2 ) الأحقاف : 23 .
( 3 ) الميزان : 10 / 307 .
ميزان الحكمة — صفحة 3049 | محمد الريشهري / مؤسسة دار الحديث الثقافية