والأعصار . فجميع هذه المعاني والقواعد
المستقرة عليها من صنع الطبيعة الإنسانية بإلهام
من الله سبحانه ، تلطفت بها طبيعة الإنسان لتمثل
بها ما تعتقدها وتريدها من المعاني في الخارج ،
ثم تتحرك إليها بالعمل والفعل والترك
والاستكمال .
والتوجه العبادي إلى الله سبحانه ، وهو المنزه
عن شؤون المادة ، والمقدس عن تعلق الحس
المادي إذا أريد أن يتجاوز حد القلب والضمير ،
وتنزل على موطن الأفعال - وهي لا تدور إلا بين
الماديات - لم يكن في ذلك بد ومخلص من أن
يكون على سبيل التمثيل بأن يلاحظ التوجهات
القلبية على اختلاف خصوصياتها ، ثم تمثل في
الفعل بما يناسبها من هيئات الأفعال وأشكالها ،
كالسجدة يراد بها التذلل ، والركوع يراد به
التعظيم ، والطواف يراد به تفدية النفس ، والقيام
يراد به التكبير ، والوضوء والغسل يراد بهما
الطهارة للحضور ، ونحو ذلك . ولا شك أن التوجه
إلى المعبود ، واستقباله من العبد في عبوديته روح
عبادته ، التي لولاها لم يكن لها حياة ولا كينونة ،
وإلى تمثيله تحتاج العبادة في كمالها وثباتها
واستقرار تحققها .
وقد كانت الوثنيون وعبدة الكواكب وسائر
الأجسام من الإنسان وغيره يستقبلون معبوداتهم
وآلهتهم ، ويتوجهون إليهم بالأبدان في أمكنة
متقاربة .
لكن دين الأنبياء ونخص بالذكر من بينها دين
الإسلام الذي يصدقها جميعا وضع الكعبة قبلة ،
وأمر باستقبالها في الصلاة ، التي لا يعذر فيها
مسلم ، أينما كان من أقطار الأرض وآفاقها ، ونهى
عن استقبالها واستدبارها في حالات ، وندب إلى
ذلك في أخرى ، فاحتفظ على قلب الإنسان
بالتوجه إلى بيت الله ، وأن لا ينسى ربه في خلوته
وجلوته ، وقيامه وقعوده ، ومنامه ويقظته ، ونسكه
وعبادته حتى في أخس حالاته وأرداها ، فهذا
بالنظر إلى الفرد .
وأما بالنظر إلى الاجتماع فالأمر أعجب
والأثر أجلى وأوقع ، فقد جمع الناس على
اختلاف أزمنتهم وأمكنتهم على التوجه إلى نقطة
واحدة ، يمثل بذلك وحدتهم الفكرية وارتباط
جامعتهم ، والتئام قلوبهم ، وهذا ألطف روح يمكن
أن تنفذ في جميع شؤون الأفراد في حيويتها
المادية والمعنوية ، تعطي من الاجتماع أرقاه ،
ومن الوحدة أوفاها وأقواها ، خص الله تعالى بها
عباده المسلمين ، وحفظ به وحدة دينهم ، وشوكة
جمعهم ، حتى بعد أن تحزبوا أحزابا ، وافترقوا
مذاهب وطرائق قددا ، لا يجتمع منهم اثنان على
رأي ، نشكر الله تعالى على آلائه ( 1 ) .
بحث تاريخي :
من المتواتر المقطوع به أن الذي بنى الكعبة
إبراهيم الخليل ( عليه السلام ) ، وكان القاطنون حولها يومئذ
ابنه إسماعيل وجرهم ( 2 ) من قبائل اليمن ، وهي
هامش
( 1 ) تفسير الميزان : 1 / 337 .
( 2 ) جرهم : حي من اليمن نزلوا مكة وتزوج فيهم إسماعيل بن
إبراهيم ( عليهما السلام ) ، وهم أصهاره ، ثم ألحدوا في الحرم فأبادهم الله
تعالى . ( لسان العرب : 12 / 97 ) .