فأما إذا لم يفهمه عينه جاز ، كان رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) إذا
كره من إنسان شيئا قال : ما بال أقوام يفعلون كذا
وكذا ؟ ! ولا يعين .
ومن أخبث أنواع الغيبة غيبة المتسمين بالفهم
والعلم المرائين ، فإنهم يفهمون المقصود على
صفة أهل الصلاح والتقوى ليظهروا من أنفسهم
التعفف عن الغيبة ويفهمون المقصود ، ولا يدرون
بجهلهم أنهم جمعوا بين فاحشتين : الرياء والغيبة ،
وذلك مثل أن يذكر عنده إنسان فيقول : الحمد لله
الذي لم يبتلنا بحب الرياسة أو بحب الدنيا أو
بالتكيف بالكيفية الفلانية ، أو يقول : نعوذ بالله من
قلة الحياء أو من سوء التوفيق ، أو نسأل الله أن
يعصمنا من كذا ، بل مجرد الحمد على شئ إذا
علم منه اتصاف المحدث عنه بما ينافيه ونحو
ذلك فإنه يغتابه بلفظ الدعاء وسمت أهل الصلاح ،
وإنما قصده أن يذكر عيبه بضرب من الكلام
المشتمل على الغيبة والرياء ودعوى الخلاص من
الرذائل ، وهو عنوان الوقوع فيها ، بل في أفحشها .
ومن ذلك أنه قد يقدم مدح من يريد غيبته
فيقول : ما أحسن أحوال فلان ما كان يقصر في
العبادات ولكن قد اعتراه فتور وابتلي بما نبتلى به
كلنا ، وهو قلة الصبر ، فيذكر نفسه بالذم ومقصوده
أن يذم غيره ، وأن يمدح نفسه بالتشبه بالصالحين
في ذم أنفسهم ، فيكون مغتابا مرائيا مزكيا نفسه
فيجمع بين ثلاث فواحش ، وهو يظن بجهله أنه
من الصالحين المتعففين عن الغيبة ، هكذا يلعب
الشيطان بأهل الجهل إذا اشتغلوا بالعلم أو العمل ،
من غير أن يتقنوا الطريق ، فيتعبهم ويحبط
بمكائده عملهم ويضحك عليهم .
ومن ذلك أن يذكر ذاكر عيب إنسان
فلا يتنبه له بعض الحاضرين ، فيقول :
سبحان الله ما أعجب هذا ! حتى يصغي
الغافل إلى المغتاب ويعلم ما يقوله ،
فيذكر الله سبحانه ويستعمل اسمه آلة له في
تحقيق خبثه وباطله ، وهو يمن على الله بذكره
جهلا منه وغرورا .
ومن ذلك أن يقول : جرى من فلان كذا
وابتلي بكذا ، بل يقول : جرى لصاحبنا
أو صديقنا كذا تاب الله علينا وعليه ، يظهر
الدعاء والتألم والصداقة والصحبة ، والله
مطلع على خبث سريرته وفساد ضميره ،
وهو بجهله لا يدري أنه قد تعرض لمقت
أعظم مما يتعرض له الجهال إذا جاهروا
بالغيبة .
ومن أقسامها الخفية الإصغاء إلى
الغيبة على سبيل التعجب ، فإنه إنما
يظهر التعجب ليزيد نشاط المغتاب في
الغيبة فيزيد فيها ، فكأنه يستخرج منه
الغيبة بهذا الطريق ، فيقول : عجبت مما
ذكرته ما كنت أعلم بذلك إلى الآن ، ما كنت
أعرف من فلان ذلك ، يريد بذلك تصديق المغتاب
واستدعاء الزيادة منه باللطف ، والتصديق
للغيبة غيبة ، بل الإصغاء إليها بل
السكوت عند سماعها . . . ( 1 ) .
هامش
( 1 ) البحار : 75 / 223 - 225 .