ومن نفسه ، حيث يقول تعالى : * ( وما يضل به
إلا الفاسقين ) * فقد جعل إضلاله في تلو الفسق
لا متقدما عليه ، هذا .
ثم إن الهداية والإضلال كلمتان جامعتان
لجميع أنواع الكرامة والخذلان التي ترد منه تعالى
على عباده السعداء والأشقياء ، فإن الله تعالى
وصف في كلامه حال السعداء من عباده بأنه
يحييهم حياة طيبة ، ويؤيدهم بروح الإيمان ،
ويخرجهم من الظلمات إلى النور ، ويجعل لهم
نورا يمشون به ، وهو وليهم ولا خوف عليهم ولا
هم يحزنون ، وهو معهم يستجيب لهم إذا دعوه
ويذكرهم إذا ذكروه ، والملائكة تنزل عليهم
بالبشرى والسلام إلى غير ذلك .
ووصف حال الأشقياء من عباده بأنه يضلهم
ويخرجهم من النور إلى الظلمات ويختم على
قلوبهم ، وعلى سمعهم وعلى أبصارهم غشاوة ،
ويطمس وجوههم على أدبارهم ، ويجعل في
أعناقهم أغلالا فهي إلى الأذقان فهم مقمحون ،
ويجعل من بين أيديهم سدا ومن خلفهم سدا
فيغشيهم فهم لا يبصرون ، ويقيض لهم شياطين
قرناء يضلونهم عن السبيل ويحسبون أنهم
مهتدون ، ويزينون لهم أعمالهم وهم أولياؤهم ،
ويستدرجهم الله من حيث لا يشعرون ، ويملي لهم
إن كيده متين ، ويمكر بهم ويمدهم في طغيانهم
يعمهون .
فهذا نبذة مما ذكره سبحانه من حال الفريقين ،
وظاهرها أن للإنسان في الدنيا وراء الحياة التي
يعيش بها فيها حياة أخرى سعيدة أو شقية ذات
أصول وأعراق يعيش بها فيها ، وسيطلع ويقف
عليها عند انقطاع الأسباب وارتفاع الحجاب ،
ويظهر من كلامه تعالى أيضا أن للإنسان حياة
أخرى سابقة على حياته الدنيا يحذوها فيها كما
يحذو حذو حياته الدنيا فيما يتلوها ، وبعبارة
أخرى : إن للإنسان حياة قبل هذه الحياة الدنيا
وحياة بعدها ، والحياة الثالثة تتبع حكم الثانية
والثانية حكم الأولى ، فالإنسان وهو في الدنيا
واقع بين حياتين : سابقة ولاحقة ، فهذا هو الذي
يقضي به ظاهر القرآن .
لكن الجمهور من المفسرين حملوا القسم
الأول من الآيات وهي الواصفة للحياة السابقة
على ضرب من لسان الحال واقتضاء الاستعداد ،
والقسم الثاني منها وهي الواصفة للحياة اللاحقة
على ضروب المجاز والاستعارة ، هذا . إلا أن
ظواهر كثير من الآيات يدفع ذلك : أما القسم
الأول وهي آيات الذر والميثاق فستأتي في
مواردها ، وأما القسم الثاني فكثير من الآيات دالة
على أن الجزاء يوم الجزاء بنفس الأعمال وعينها ،
كقوله تعالى : * ( لا تعتذروا اليوم إنما تجزون ما
كنتم تعملون ) * ( 1 ) ، وقوله تعالى : * ( ثم توفى كل
نفس ما كسبت . . . الآية ) * ( 2 ) ، وقوله تعالى : * ( فاتقوا
النار التي وقودها الناس والحجارة ) * ( 3 ) ، وقوله
تعالى : * ( فليدع ناديه * سندع الزبانية ) * ( 4 ) ، وقوله
تعالى : * ( يوم تجد كل نفس ما عملت من خير
هامش
( 1 ) التحريم : 7 .
( 2 ) البقرة : 281 ، 24 .
( 3 ) البقرة : 281 ، 24 .
( 4 ) العلق : 17 ، 18 .