قال : فذهبت فدخلت في القوم والريح وجنود
الله تفعل بهم ما تفعل ، لا تقر لهم قدرا ولا نارا
ولا بناء ، فقام أبو سفيان فقال : يا معشر قريش ،
لينظر امرؤ من جليسه ؟ قال حذيفة : فأخذت
بيد الرجل الذي كان إلى جنبي ، فقلت : من أنت ؟
قال : فلان بن فلان ، ثم قال أبو سفيان : يا معشر
قريش ! إنكم والله ما أصبحتم بدار مقام ، لقد
هلك الكراع ( 1 ) . . .
513 - جواز التجسس في الحروب ( 2 )
- إن نعيم بن مسعود . . . أتى رسول الله ( صلى الله عليه وآله )
فقال : يا رسول الله ! إني قد أسلمت وإن قومي
لم يعلموا بإسلامي ، فمرني بما شئت فقال
رسول الله : إنما أنت فينا رجل واحد فخذل عنا
إن استطعت ، فإن الحرب خدعة .
فخرج نعيم بن مسعود حتى أتى بني قريظة ،
وكان لهم نديما في الجاهلية ، فقال : يا بني
قريظة ! قد عرفتم ودي إياكم ، وخاصة ما بيني
وبينكم ، قالوا : صدقت ، لست عندنا بمتهم ،
فقال لهم : إن قريشا وغطفان ليسوا كأنتم ، البلد
بلدكم ، فبه أموالكم وأبناؤكم ونساؤكم ، لا
تقدرون على أن تحولوا منه إلى غيره ، وإن
قريشا وغطفان قد جاءوا لحرب محمد
وأصحابه ، وقد ظاهرتموهم عليه ، وبلدهم
وأموالهم ونساؤهم بغيره ، فليسوا كأنتم ، فإن
رأوا نهزة أصابوها ، وإن كان غير ذلك لحقوا
ببلادهم وخلوا بينكم وبين الرجل ببلدكم ، ولا
طاقة لكم به إن خلا بكم ، فلا تقاتلوا مع القوم
حتى تأخذوا منهم رهنا من أشرافهم ، يكونون
بأيديكم ثقة لكم على أن تقاتلوا معهم محمدا ،
حتى تناجزوه ، فقالوا له : لقد أشرت بالرأي .
ثم خرج حتى أتى قريشا ، فقال لأبي
سفيان بن حرب ومن معه من رجال قريش : قد
عرفتم ودي لكم وفراقي محمدا ، وإنه قد بلغني
أمر قد رأيت علي حقا أن أبلغكموه نصحا لكم ،
فاكتموا عني ، فقالوا : نفعل ، قال : تعلموا أن
معشر يهود قد ندموا على ما صنعوا فيما بينهم
وبين محمد ، وقد أرسلوا إليه : إنا قد ندمنا على
ما فعلنا ، فهل يرضيك أن نأخذ لك من القبيلتين
- من قريش وغطفان - رجالا من أشرافهم
فنعطيكم ، فتضرب أعناقهم ، ثم نكون معك على
من بقي منهم حتى نستأصلهم ؟ فأرسل إليهم :
أن نعم ، فإن بعثت إليكم يهود يلتمسون منكم
رهنا من رجالكم فلا تدفعوا إليهم منكم رجلا
واحدا .
ثم خرج حتى أتى غطفان ، فقال : يا معشر
غطفان ، إنكم أصلي وعشيرتي ، وأحب الناس
إلي ، ولا أراكم تتهموني ، قالوا : صدقت ، ما أنت
عندنا بمتهم ، قال : فاكتموا عني ، قالوا : نفعل ،
فما أمرك ؟ ثم قال لهم مثل ما قال لقريش ،
وحذرهم ما حذرهم .
هامش
( 1 ) سيرة ابن هشام : 3 / 243 .