فلما سمع القاضي جودة منطقه ، وحسن نسقه ، وقدرته على الكلام ، وثباته في الخصام ، وقوته في النظر ، ومعرفته بالأثر ، وروايته للخبر ، علم أنه عود بازل ( 1 ) ، وقضاء نازل ، وعالم لا يجارى ، وفقيه لا يمارى ، ومتكلم لا يصطلى بناره ، ولا يبصر في غباره ، وأنه إنما حمله على ذلك ضرورة القلة والإعدام ، والأنفة من الحاجة إلى السفلة واللئام ، نزع الخاتم من إصبعه ، وقال : هاك يا فقيه ، يا متكلم ، يا محدث ، يا شاعر ، يا لص ، فأخذه منه ، وحلّ عقاله ، وأوسع مجاله ، ونفس خناقه وأطلق / وثاقه ، ومضى عنه وهو يقول : [ البسيط ]
اعذر أخاك خلاك الذمّ من رجل
صلب المجسّ له ناب وأظفور
لولا تفقدني سلمى لما بكرت
بي نحو ما كنت تخشاه المقادير ( 2 )
قالت وقد رابها عدمي ثكلتك من
راض ببرض معاش فيه تكدير ( 3 )
مهلا سليمى سينفي العار عن هممي
همّ وعزم وإدلاج وتشمير
سأنزع الرزق من أيدي معاشرها
فيهم كريم له خيم ولا خير ( 4 )
قوم إذا أحوج الدهر الخؤون فتى
إليهم مقلته أعين زور ( 5 )
ماذا أوّمل من علم ومن أدب
مع معشر كلهم حول الندى عور
تا اللَّه أطلب من أيديهم أبدا
رزقا ولي فاتك الحدّين مأثور ( 6 )
ثم مضى القاضي إلى منزله ، وقد ملأ قلبه ما رأى من شجاعته ، وشاهد من براعته ، وما راقه من علمه ، وشاقه من فهمه ، فلبس من فاخر ثيابه ، وخرج إلى عدوله وأصحابه ، فلما استقر مجلسه ، وثاب إليه حسّه وأنسه ، حدّث عدوله ما لقي في ليلته من التعب ، وقاسى من النّصب ، وأخذ في / وصف اللص فأطنب ، ومرّ في مدحه فأسهب ، وأراق فأعجب ، ثم قال : ولقد قلت فيه أبياتا أنعته فيها ، وأذكر مقامه وموقفه ( 7 ) ، فقيل له : وما الأبيات أيها القاضي ؟ فأنشأ يقول : [ البسيط ]
هامش
( 1 ) العود : المسن من الإبل ، والبازل : الذي طلع نابه ، وبزل الرجل : كملت تجربته ، واستحكم رأيه ، وأراد هذا المعنى .
( 2 ) في ب : لولا تعبدني سلمى . في ل : لولا تفندني سلمى .
( 3 ) في ب ، ش ، ل : برص معاش ، بالصاد المهملة ، والصواب : برض ، بالضاد المعجمة ، والبرض القليل .
( 4 ) الخيم : الأصل والسجية والطبيعة .
( 5 ) مقلته : رمقته ونظرت إليه .
( 6 ) في ش : ( تا اللَّه لا أطلب ) ، و ( فاتك الجنبين ) ، ولا يستقيم بها الوزن ، وتا اللَّه أطلب : أي لا أطلب .
والمأثور : ذو الأثر ، أي القاطع ، والمأثور أيضا : الأثير ، أي المفضل .
( 7 ) ( وموقفه ) ساقطة من ش .