الروحانية ، وإن نطقت ألسن شهوات / نفسه طلَّقها ، وإن سكنت نواطق همّتها علَّقها ، وإذا أنفق ذخائر قوته في العبادة وفرقها ، شكى إلى اللَّه شحّ نفسه ، فإنه ما أنفقها ، وهو الذي قالت عنه : « زوجي العشنّق ، إن أنطق بلسان الشهوة أطلَّق ، أو أسكت سكوت فترة أعلَّق » .
الرابعة ( 1 ) : نفس مطمئنة ، مؤيدة بالرضا ، ممنوحة بالمنة ، راسخة القدم في مشاهد القدم ، قد رفعت حجاب الكشائف الخلقية ، حتى شهدت اللطائف الحفيّة ، وعرفت سرائر أسرار الربوبية ، في مظاهر أطوار العبودية ، فرجعت في كل حال إلى اللَّه ، وتلقت كل واقعة من اللَّه فهي راضية في كل مشهد ، باللَّه مرضية في كل حضرة لله ، وصاحب هذه هو عارف الوقت ، المحفوظ من السلب بالقبول في الوقت ، وقد أخمد ببرد الرضا حرارة الانتقام ، وبلوغه الشوق نفى قرّ المهابة والإحجام ، وبمحض التسليم ، أمن قواطع القرب ، وبسلامة الذوق فارق الملل من الشرب ، فهو كما / قالت : « زوجي كليل تهامة ، لا حرّ ولا قرّ ، ولا مخافة ولا سآمة ، والغيث غيث غمامة » .
الخامسة : نفس مشتراة من المملكة البشرية ، محفوفة بالمكنة من المملكة السريّة ، قيل في شأنها بلسان المنة : * ( إِنَّ الله اشْتَرى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وأَمْوالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ ) * ( 2 ) ، نفس جاهدت فغنمت ، شاهدت فنعمت ، وقتلت بصفاء الزهد شيطانها ، وقبلت بوفاء العهد سلطانها ، وصاحب هذه إمام وصل الفتح لواحي سياداته ( 3 ) بسوابق إراداته ، وقطع العزم علائق الحسيّة بسيف الحزم في مجاهداته ، فاستبشر عند محق الخيال من حقائق الجمال بأكمل لذّاته ، وأتاه مدد السمع والبصر والروح بانجاز عداته ، ووجد ما وعد من صدق الكليم ، والحي والشهيد حقا / في مشاهداته ، فهو كما قالت : حظيرة حضراته السنية ، زوجي إن دخل حضرة المشاهدة العلمية فهو بتنادم الأنية ، وإن خرج لميدان فرسان المجاهدة العملية أسد باخلاص العزم والنية ، ولا تسأل عمّا عهد من حسن فعله وقوله ، لصدق تبرّيه من قوته وحوله .
السادسة : نفس لوّامة متلونة على صور الحظوظ اللامّة ، لا يزال شأنها الملل في كل علم وعمل ، كلما حصلت على مطلوب نشأ لها حظ وأمل ، فهي أبدا في شكاية ووجل ، وكآبة أنشأتها الرغبة في الغاية والضجر مما حصل ، فصاحب هذه إن وقف على باب مولاه ، حتى فتح له وآواه ، وأحضرته حضرة مناجاته ، أو منحه رؤياه ، وأجلسه على موائد / مدده
هامش
( 1 ) في بلوغ الأرب 2 / 38 : قالت الرابعة : ( زوجي كليل تهامة ، لا حر ولا قر ، ولا مخافة ولا سآمة ، والغيث غيث غمامة ) .
( 2 ) التوبة 110 .
( 3 ) في ش : لواحق سياداته . واللواحي : كل ما لمع بشيء وأظهره ، ومنه قول الشاعر : ( اللسان لوح ) :فامّا ترى رأسي تغيّر لونه
ولاحت لواحي الشيب في كل مفرق