تخطي إلى المحتوى الرئيسي

المحاضرات والمحاورات — صفحة 333

مساهمون:

ص٣٣٣
قبرها ، ولا أذلها بوقوفها على قبرك » . / ومما يهون أمر الولد في وفاته ، حصول الراحة له من حوادث المرض وآفاته ، وما يقاسيه من العنا ، وما يكابده من شدة الضنى ، حتى يقول الولد الرحيم ، وليس له غير دمعة من حميم ( 1 ) : [ البسيط ]
يا ليت علَّته بي غير أنّ له أجر العليل وأني غير مأجور
وإذا تذكر الإنسان ما تلقاه به مولاه ، وأكرمه به سيده وحباه ، هان عليه فراقه وعذب عنده مذاقه ، وعلم أنّ المولى خير لعبده من أبويه ، وأنّه صار إلى ما هو خير له وأحبّ إليه ، من ذلك : أنّ ملك الموت يقرئه من ربه السلام ، ويتلقّى روحه حين تخرج الملائكة الكرام ، وتلفّ في حريرة بيضاء من حرير الجنان ، ويضمّ إليها المسك وضبائر الريحان ، وتتلقاه أرواح المؤمنين ، ويصعد به إلى السماء مع الآمنين ، ولا يزال يعرج به من سماء إلى سما ، وكلّ من مرّ عليه من الملائكة مسلَّما ، إلى أن يأتوا به إلى سدرة المنتهى ، وإليها كلّ مؤمن وقف وانتهى ، فيقف بين يدي مولاه ، ويقولون هذا عبدك فلان توفيناه ، فيؤمر بالسجود ، فتسجد النسمة ( 2 ) ، فيا له من موقف ما أشرفه وأعظمه . ثم يأتيه بأمانه من العذاب صكّ مختوم ، وكتاب مرقوم ، ويوسع له في قبره مد البصر ، ويجعل له فيه نور مثل نور الشمس والقمر ، وينبذ فيه الريحان ، / ويبسط فيه من الحرير ألوان ، وتفتح له الملائكة بابا إلى الجنة عيّا ، وينظر إلى مقعده فيها بكرة وعشيّا ، ويكفيك ما ثبت في السّنّة : ( أن القبر روضة من رياض الجنّة ) ( 3 ) ، وتطلق الروح مرسلة من سجن الدنيا الذي كانت فيه ، فانّ الدنيا سجن المؤمن ، وخلاصه من ذلك السجن توفيه ، ويعطى في قبره ما شاء من أنواع الإيمان ، إن شاء أن يصلي صلَّى ، وإن شاء قرأ القرآن ، ويعطى مصحفا من ذهب يقرأ فيه . وناهيك بمن يحبّه اللَّه من حملة كتابه ويصطفيه ، ووردت أحاديث عديدة ، إسانيدها مجيدة : ( إنّ من حفظ شيئا من القرآن ومات قبل تتميمه ، بعث اللَّه إليه ملائكة في قبره يحفظونه ما بقي ، ويقومون بتعليمه ) ( 4 ) ، وكم للمؤمن في قبره من إكرام وامتنان ، منها أن يكسى عند وضعه فيه حلَّة من الجنان ، ويؤذن له في الزيارة والمحادثة لمن في قبورهم من الإخوان ، وإذا زاره أحد من معارفه في الدنيا حصل له استئناس ، وإذا سلَّم
هامش
( 1 ) البيت لمسلم بن الوليد في ديوانه ص 323 ، ونسب البيت لأكثر من شاعر في المصادر الأدبية وكتب التراجم . ( 2 ) النسمة : نفس الروح . ( اللسان : نسم ) . ( 3 ) شرح صحيح الترمذي للأحوذي 9 / 284 . ( 4 ) لم أجده في كتب الحديث المعتمدة .