وأما الحكم والاستنتاج يرجع إلى العقل ويبتني على محاسبات عقلية ، وهو
نظير ما إذا ثبت بالحس أن هاهنا مربعا ، فإن العقل يحكم من فوره بأن
أضلاعه الأربعة متساوية في الطول .
فالعقل يرى ملازمة بينة بين النظم بمقدماته الثلاث ، أعني : الترابط
والتناسق والهدفية ، وبين دخالة الشعور والعقل ، فعندما يلاحظ ما في جهاز
العين مثلا من النظام بمعنى تحقق أجزاء مختلفة كما وكيفا ، وتناسقها
بشكل يمكنها من التعاون والتفاعل فيما بينها ويتحقق الهدف الخاص منه ،
يحكم بأنها من فعل خالق عظيم ، لاحتياجه إلى دخالة شعور وعقل وهدفية
وقصد .
الإشكال الثاني
إن هناك في عالم الطبيعة ظواهر وحوادث غير متوازنة خارجة عن
النظام وهي لا تتفق مع النظام المدعى ولا مع الحكمة التي يوصف بها
خالق الكون ، كالزلازل والطوفانات .
والجواب عنه : إن هذا الإشكال لا صلة له بمسألة النظم فإن ما تعد
من الحوادث الكونية شرورا كالزلازل والطوفانات لها نظام خاص في
صفحة الكون ، ناشئة عن علل وأسباب معينة تتحكم عليها محاسبات
ومعادلات خاصة وقد وفق الإنسان إلى اكتشاف بعضها وإن بقي بعض آخر
منها مجهولا له بعد . ( 1 )
هامش
1 . فإن قلت : كون الشرور الطبيعية تابعا لقوانين كونية وناشئا عن أسباب طبيعية خاصة راجع إلى النظم العلي ،
والنظم المقصود في برهان النظم هو النظم الغائي ، والشرور توجب اختلال النظم بهذا المعنى .
قلت : حقيقة النظم الغائي هي أن هناك تلائم وانسجام سائد في الأشياء تتجه إلى غاية مخصوصة وكمال مناسب
لها ، وإن كان قد يتخلف بعروض مانع عن الوصول إلى الغاية كما في فرض الشرور ، ومثل هذا الفعل يسمى
عندهم باطلا ، لا فاقدا للغاية .