الثانية
قد ظهر مما ذكرناه : نقطة الامتياز بين هذه المسألة والمسألة الآتية كمسألة
النهي في العبادات ، وهي : أن النزاع في تلك المسألة كبروي ، فإن المبحوث عنه
فيها إنما هو ثبوت الملازمة بين النهي عن عبادة وفسادها وعدم ثبوت هذه
الملازمة بعد الفراغ عن ثبوت الصغرى ، وهي : تعلق النهي بالعبادة . وأما النزاع في
مسألتنا هذه فقد عرفت أنه صغروي ، لفرض أن المبحوث عنه فيها هو سراية النهي
من متعلقه إلى متعلق الأمر ، وعدم سرايته .
وعلى ضوء هذا فالبحث في هذه المسألة بحث عن إثبات الصغرى للمسألة
الآتية ، فإنها على القول بالامتناع وسراية النهي من متعلقه إلى ما ينطبق عليه
المأمور به تكون من إحدى صغرياتها ومصاديقها دون القول الآخر .
فالنتيجة : أن النقطة الرئيسية لامتياز إحدى المسألتين عن الأخرى هي : أن
جهة البحث في إحداهما صغروية وفي الأخرى كبروية .
ومن هنا يظهر فساد ما أفاده المحقق صاحب الفصول ( قدس سره ) من الفرق بين
المسألتين ، وحاصل ما أفاده هو : أن هذه المسألة تمتاز عن المسألة الآتية في أن
النزاع في هذه المسألة فيما إذا تعلق الأمر والنهي بطبيعتين متغايرتين بحسب
الحقيقة والذات . وإن كانت النسبة بينهما العموم المطلق : كما إذا أمر المولى عبده
بالحركة ونهاه عن القرب في مكان مخصوص فإن عنوان الحركة وعنوان القرب
عنوانان متغايران بالذات ، مع أن النسبة بينهما بحسب الخارج عموم مطلق ،
ضرورة أن العبرة إنما هي بتغاير ما تعلق به الأمر وما تعلق به النهي ، لا بكون
النسبة بينهما عموما من وجه ، وإن كان الغالب أن النسبة بين الطبيعتين المتغايرتين
كذلك عموم من وجه ، وقل ما يتفق أن تكون النسبة بينهما عموما مطلقا .
والنزاع في تلك المسألة فيما إذا كان متعلق الأمر والنهي متحدين بحسب
الذات والحقيقة ، ومختلفين بمجرد الاطلاق والتقييد ، بأن تعلق الأمر بالطبيعة
محاضرات في أصول الفقه تقرير أبحاث السيد أبو القاسم الخوئي — صفحة 166
مساهمون: الشيخ محمد إسحاق الفياض
ص١٦٦